
السقيلبية تحت نيران التضليل الرقمي: كيف تحول خلاف محلي إلى حملة تصعيد طائفية؟
تاريخ النشر: 30 آذار/مارس 2026
شهدت مدينة السقيلبية في ريف حماة الغربي حادثة محلية بدأت قرابة الساعة 10:00 مساءً، حيث نشب شجار بين مجموعة من الشبان تخلله أعمال شغب محدودة قبل احتواء الموقف أمنياً. لكن هذا الحدث المحلي تحول خلال ساعات قليلة إلى حملة رقمية واسعة استهدفت السلم الأهلي عبر نشر معلومات مضللة وادعاءات دينية ودعوات للتقسيم.
انطلاق حملات التضليل والتحريض
بدأت الحملات الإلكترونية تزامناً مع الحادثة، حيث روجت حسابات لمنشورات تدعي اقتحام مجموعات مسلحة لمدينة السقيلبية ذات الغالبية المسيحية، وزعمت إطلاق الرصاص على المدنيين وتكسير المحلات التجارية والممتلكات، مع ادعاء وقوع إصابات عدة. امتد التحريض ليشمل مدينة محردة أيضاً، حيث بثت حسابات نداءات استغاثة وهمية تزعم وجود هجوم مسلح وحالة استنفار قصوى لحماية المدنيين والمقدسات من خطر يحيط بالمدينتين من محاور عدة.
منصات الانتشار وأدوات التصعيد
شكلت منصتا “فيسبوك” و”X” الساحة الرئيسية لهذه الحملات، بينما ساهمت مجموعات تطبيق “واتساب” بشكل نشط في تضخم المحتوى ونشر الذعر. اعتمدت الحملة على “هاشتاغات” محددة لتركيز المحتوى مثل (#مدينة_السقيلبية) و(#شغب_وتخريب)، بهدف إثارة الفتنة وبث خطاب الكراهية. أظهرت أرقام التفاعل حجماً منظماً للهجوم، حيث رُصد أكثر من 12 ألف تغريدة خلال 8 ساعات، وحوالي 5846 منشوراً على فيسبوك خلال الساعات العشر الأولى من بدء الحادثة.

تحليل مصادر الحملة والمحتوى المضلل
بينت المتابعة التقنية أن مصدر شريحة واسعة من الحسابات المشاركة كان من خارج سوريا، وتحديداً من لبنان والعراق وأوروبا. كما ظهر نشاط مكثف لحسابات مرتبطة أو مقربة من “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد)، وهيئة تحرير الشام، وفلول النظام السابق، ومن أبرز الحسابات التي روجت للادعاءات حساب (Aran Hsso) من الحسكة، و(Taim Abo) من بغداد، و(Samer Thabet) المقيم في دبي. تضمن المحتوى أخباراً كاذبة عن قتلى وإصابات وحالات اغتصاب دون تقديم أدلة، مع استخدام فيديوهات مجتزأة وصور قديمة خارج سياقها الزماني والمكاني.
المزاعم الدينية ودعوات التقسيم
ركزت الحملة بوضوح على البعد الديني عبر ترويج مزاعم عن تكسير تمثال السيدة العذراء في قلب المدينة والاعتداء على الكنائس. ترافقت هذه المزاعم مع دعوات تصعيدية تطالب بتقسيم سوريا أو طلب حماية دولية للأقليات، وهو خطاب يغذي الانقسام المجتمعي ويدفع نحو الهجرة، بناءً على توصيفات طائفية واتهامات لمجموعات مسلحة بشن “غزوات” على المنطقة.

التحقق الميداني ونفي المزاعم
أثبت التحقق الميداني الموثق عدم صحة هذه الادعاءات جملة وتفصيلاً، لأن المصادر الطبية الرسمية في المنطقة لم تسجل وصول أي إصابات ناتجة عن اعتداءات مسلحة. كما أكد التصوير الميداني سلامة الكنائس وتمثال السيدة العذراء الذي لم يتعرض لأي تخريب، خلافاً لما تم تداوله على نطاق واسع. أظهرت لقطات الفيديو من داخل السقيلبية حركة طبيعية في الشوارع مع تواجد اعتيادي لقوى الأمن الداخلي التي تعمل على استكمال التحقيقات في شجار الشبان الأصلي، ما يؤكد أن الحملة الرقمية كانت تزييفاً منظماً للواقع.
دلالات رمزية وتوظيف سياسي
ترافقت الاحتجاجات المحلية مع ظهور دلالات رمزية مثيرة للجدل، حيث رُصد رفع راية تُنسب لبيزنطة خلال مظاهرة محدودة جرت في السقيلبية. ورغم الطابع المحلي الصرف للحدث، إلا أن استخدام هذه الرموز في هذا التوقيت استُثمر في سياق يحمل دلالات تتجاوز حجم الواقعة، ما ساهم بشكل مباشر في تضخيم التوتر وإثارة قراءات سياسية ومجتمعية معقدة حول أبعاد الحدث.
سلوك الشبكات والحسابات الآلية
كشف التتبع التقني لسلوك الشبكات عن ظهور مجموعة من الحسابات الجديدة التي أُنشئت خصيصاً لتولي مهام إعادة النشر وتضخيم الروايات المضللة. رصد فريق التحقق نشاطاً مكثفاً لحسابات آلية (Bots) تعمل بآلية مبرمجة لنشر محتوى تحريضي، تضمن تعليقات تهاجم المكونات المجتمعية وتدعو للصدام الصريح. كما برزت منشورات لحسابات مثل (Aran Hsso) تستخدم لغة المقارنة مع أحداث سجون سابقة لبث الرعب وتعميق الانقسام بين المتابعين.
انتقال التوتر من الفضاء الرقمي إلى الواقع
أدى هذا الضخ الرقمي الممنهج إلى أثر ملموس على الأرض، لأن المحتوى التحريضي ساهم في شحن الأجواء داخل مدينة السقيلبية وتوتير العلاقات البينية. رصد التحقيق انتقال خطاب الكراهية من الفضاء الافتراضي إلى الواقع المعاش، ما حول الإشاعات الرقمية إلى مصدر قلق أمني واجتماعي حقيقي هدد السلم الأهلي في المنطقة، وساهم في تصعيد الموقف رغم الجهود المحلية لاحتوائه.



