تاريخ النشر: 21 آب/أغسطس 2025
تعد وكالة الأنباء السورية “سانا” مرآةً عكست التحولات السياسية والاجتماعية في سوريا على مدار عقود. فمنذ تأسيسها كمنبر وطني يهدف للموضوعية، تحولت تدريجياً إلى أداة دعائية مركزية، قبل أن تعلن مؤخراً عن مرحلة انتقالية تهدف إلى استعادة المعايير المهنية. هذا التحقيق يستعرض مسيرة الوكالة عبر محطاتها التاريخية الفاصلة.
التأسيس والوعود الأولى (1965)
تأسست “سانا” عام 1965 بقرار رسمي من الدولة السورية، وحملت في بداياتها طموحاً مهنياً تمثل في تغطية الأخبار الوطنية والدولية بدقة وموضوعية. التزمت الوكالة في ذلك الحين بمعايير العمل الصحفي المتعارف عليها، مؤكدة على حق الجمهور في الوصول إلى المعرفة، وسعت لتقديم صورة متوازنة للأحداث مع احترام مبدأ حرية التعبير كقاعدة أساسية لانطلاقها.

حقبة حافظ الأسد: من الإعلام إلى الدعاية (1970 – 2000)
شهدت الوكالة بين عامي 1970 و2000 توسعاً ملحوظاً في انتشارها الدولي، وأسست أرشيفاً رسمياً للأخبار السورية، مما ساهم في تعزيز حضورها الإعلامي. إلا أن هذه المرحلة شهدت تحولاً جوهرياً؛ حيث استُخدمت المنصة لتلميع صورة “حافظ الأسد” بشكل مبالغ فيه، لتتحول من وكالة أنباء إلى أداة دعائية للنظام. أدى هذا النهج إلى تقليص التعددية الإعلامية وفرض خطاباً موحداً، مما تسبب في حجب الكثير من الحقائق عن الجمهور السوري والدولي.

بشار الأسد ما قبل الثورة: التحديث الرقمي والولاء السياسي (2000 – 2011)
مع مطلع الألفية، طورت “سانا” بنيتها التحتية ودخلت عصر الإعلام الرقمي، ما أتاح لها الوصول إلى جمهور أوسع محلياً وعالمياً. ورغم هذا التطور التقني، بقيت السياسة التحريرية محكومة بتعزيز النفوذ السياسي للنظام بدلاً من الموضوعية. واصلت الوكالة تصوير النظام بشكل مثالي، متجاهلة الإخفاقات والأزمات الداخلية، وهو ما أدى إلى ضعف تدريجي في مصداقيتها أمام المتابع.

الثورة السورية: الإعلام كأداة للمواجهة (2011 وما بعدها)
خلال سنوات الثورة، لعبت “سانا” دوراً محورياً في تبني رواية النظام بالكامل. ركزت تغطيتها على تشويه صورة المعارضين عبر وصفهم بـ “الإرهابيين” لتبرير العمليات العسكرية والقمع. ونفذت الوكالة حملات دعائية مكثفة لتسويق تدخلات النظام وانتهاكاته، مما جعلها طرفاً في النزاع وأفقدها ما تبقى من رصيدها المهني في الأوساط الدولية.

الانطلاقة الجديدة لعام 2025: رهان الاحترافية
في 20 آب/أغسطس 2025، أعلنت الوكالة عن مرحلة “الانطلاقة الجديدة”، والتي شملت إعادة هيكلة شاملة بهوية إعلامية متجددة. تضمنت هذه الخطوة:
- الاعتماد على كوادر أعلنت التزامها بالمهنية وحرية التعبير.
- تبني نهج موضوعي وحيادي لإنهاء عقود من الانحياز السياسي.
- السعي لاستعادة ثقة الجمهور وتعزيز مكانة الوكالة على المستويين الإقليمي والدولي.

تطرح هذه التحولات تساؤلاً جوهرياً لدى الشارع السوري والمراقبين: هل ستنجح “سانا” في فك ارتباطها التاريخي بالسلطة والتحول إلى مؤسسة إعلامية مستقلة تخدم الحقيقة أولاً؟
