مع تصاعد التوتر في مدينة حلب بتاريخ 6 كانون الثاني/يناير 2026، ولا سيما في محيط أحياء الشيخ مقصود والأشرفية، شهدت خطوط التماس جولات من الاشتباكات والقصف المتبادل، ترافق ذلك مع مخاوف مدنية من اتساع رقعة العنف وتأثيره على الحياة اليومية. وخلال الساعات والأيام الأولى للتصعيد، تدفق على منصات التواصل سيل من الصور والفيديوهات والشهادات الميدانية، بعضها يوثق التطورات على الأرض، وبعضها اقتطع من سياقه أو استثمر الحدث لتأجيج الانقسام. في هذا المناخ المشحون بدأت تظهر موجة حسابات ومنصات ترفع خطاباً تحريضياً، وتحول النقاش العام من متابعة الخبر إلى تبادل الكراهية والتهديدات، وهو ما يضع الادعاءات المتداولة حول “حملة رقمية منظمة” في إطار أوسع من التوتر الميداني والتعبئة الرقمية المتزامنة.
قام فريق كشاف بتحليل محتوى منشورات على مواقع التواصل الاجتماعي ورصد طبيعة المنشورات والحسابات الواردة فيه، والتي أظهرت مؤشرات قوية على وجود نشاط رقمي منسق يحرض على الكراهية والعنف ويضخم سرديات فتنة وتهجير بعد أحداث حلب.
لكن هذه المؤشرات وحدها لا تكفي لإسناد إدارة الحملة بشكل قاطع إلى جهة محددة دون أدلة إضافية مثل تسريبات إدارية، أو روابط تقنية، أو توثيق مباشر لعلاقة تشغيل بين الحسابات.
كيف تحققنا
اعتمد فريق كشاف منهجية رصد وتحليل محتوى رقمياً عبر الخطوات التالية:
- توثيق المنشورات والمقتطفات البصرية التي رصدناها وتم حفظها كمواد مرجعية.
- استخراج السمات المشتركة بين الحسابات: تزامن النشر، القوالب البصرية، المفردات، والوسوم.
- تصنيف الخطاب المنشور إلى محاور: ازدراء الأديان، التحريض على العنف، التحريض على التهجير، وتزييف الوقائع.
- إعداد بطاقة وصف لكل حساب ورد في الرصد تتضمن تاريخ الإنشاء ونمط المحتوى والوظيفة داخل شبكة الخطاب.
انفجار رقمي بتوقيت واحد

تظهر المواد مؤشرات على انطلاق مئات الحسابات والمنصات بتوقيت متقارب عقب تطورات ميدانية في حلب، مع انتقال سريع من خطاب سياسي إلى دعوات صريحة للعنف وازدراء الأديان، وظهور حسابات حديثة أو خاملة سابقاً بهويات بصرية جاهزة، إضافة إلى تطابق شعارات ووسوم بين منصات مختلفة بما يعكس نمطاً مركزياً في إدارة الخطاب.
استهداف المعتقدات الدينية

تضمن الرصد أمثلة على منشورات تتضمن:
- دعوات للتخلي عن الإسلام وإساءات للمصحف عبر حسابات مثل “Kim Barboni” و”كوردستان”.
- تداول خطاب عدمي يستهدف الهوية الدينية الجامعة للسوريين.
- محتوى يسخر من المقدسات ويروج لرموز عسكرية عبر منصة “قسد في الميدان”.
كما ظهر نمط يربط “القطيعة مع المحيط السوري” باستهداف رموزه الدينية.
التحريض على العنف والتهديد المباشر

وثق الرصد نماذج لخطاب يدعو إلى الملاحقة والقتل أو يبرر الاعتداء على المدنيين، منها:
- دعوات لملاحقة وقتل مكونات عربية في الحسكة والقامشلي عبر حساب “حنكي كوردي”.
- محتوى يبرر حرق منازل مدنيين على أساس الهوية عبر منصة “Happy Kurdi”.
- تهديدات مباشرة بالانتقام من أهالي مدينة حلب عبر حسابي “هفال هاوار” و”Solin M Ahmed”.
وتشير المواد إلى تحويل التطورات الميدانية إلى خطاب تصفية حسابات يستهدف المدنيين هويّاتياً.
خطاب الفوقية العرقية والتحريض على التهجير

أظهر الرصد استخدام مفردات مهينة وتحريضية لتكريس خطاب فوقي، منها:
- بناء سردية “العدو الجودي” لتبرير مشاريع الانفصال والتغيير الديموغرافي.
- مصطلحات مثل “بني سمية” و”أولاد الخيام” في منشورات حساب “Narin Kobani” لتحقير السوريين المهجرين.
- دعوات علنية لطرد العرب من مناطق الجزيرة السورية عبر منصات مثل “تل براك”.
- الترويج لخطاب التعصب القومي بما يلغي أي تعاطف إنساني بين أبناء البلد الواحد.
تزييف الوقائع لخدمة سردية المظلومية

تضمنت المواد أمثلة على إعادة تأطير الأحداث بهدف التحشيد:
- نشر معلومات مجتزأة لتضليل الشباب وتغييب الحقائق والاتفاقات المنقوضة.
- مقارنة التطورات في حلب بمعارك تاريخية لتأجيج الخطاب القومي عبر حساب “çelebî Ehmed”.
- استخدام السوشال ميديا كأداة تعقب لجمع بيانات مدنيين في مناطق مختلفة عبر حساب “رودي علي”.
- تصوير العمليات العسكرية كــ “غزو عرقي” مع تجاهل السياق الميداني.
أدوار الحسابات وشبكات التنسيق
بحسب الرصد، برزت مجموعة حسابات بوظائف متكاملة داخل الخطاب:
- “كوردستان”: حساب أنشئ 2024، تغير الاسم عدة مرات، ينشر محتوى ساخر وتحريضي وتهديدات ضد الدولة والإسلام.
- “رودي علي”: حساب شخصي أنشئ بتاريخ 25/9/2023، ينشر تحريض ضد المدنيين في مناطق قسد والدولة والعراق.
- “Solin M Ahmed”: حساب شخصي أنشئ بتاريخ 23/5/2024، ينشر منشورات عنف وهجوم ضد الدولة.
- “هفال هاوار”: أنشئ بتاريخ 10/10/2017، يدار من ألمانيا، نشر منشورات تحريضية ضد السوريين.
- “Happy Kurdish”: أنشأت منذ سقوط النظام السابق، وتحولت في 2025 إلى صفحة هجومية بنمط ساخر وهجومي خفيف.
- “نارين كوباني”: حساب شخصي أنشئ بتاريخ 1/2026، منشورات تحريضية وخطاب طائفية والانشقاق عن الإسلام.
- “حنكي كوردي”: صفحة أنشأت 1/11/2019، يديرها شخص من تركيا وألمانيا، منشورات ساخرة ومحرضة ضد العرب والإسلام.
- “الإعلامية سيدرا محمد”: صفحة أنشأت بتاريخ 26/3/2024، تدار من داخل سوريا، وتقدم محتوى يصب في اتجاه خطاب قسدي.



السمات المشتركة

يلخص الرصد ثلاث سمات رئيسية للحملة:
- توظيف المنصات للتحريض وجمع بيانات وتعزيز سردية الفتنة والتهجير.
- استخدام أسماء مستعارة وهويات بصرية جاهزة.
- تزامن النشر والتفاعل بين الحسابات بما يعكس إدارة مركزية.
الأنماط الواردة في الرصد تشير إلى نشاط رقمي منسق يستثمر أحداث حلب لإنتاج خطاب كراهية وتحريض مباشر وتضليل سياقي، مع توزيع أدوار بين حسابات تدفع باتجاه ازدراء الأديان، وتهديد المدنيين، والتحريض على التهجير، وتزييف الوقائع لخدمة سردية مظلومية.