الادعاء الأخبار

الإعلام الإسرائيلي: صراعٌ بين “الفرص الضائعة” وتشويه صورة سوريا الجديدة

الإعلام الإسرائيلي: صراعٌ بين “الفرص الضائعة” وتشويه صورة سوريا الجديدة

أظهر تقريرٌ معمقٌ لفريق “كشاف” تصاعداً ملحوظاً في رصد الشأن السوري من قبل الماكينة الإعلامية الإسرائيلية خلال الأشهر الثلاثة الماضية، شمل ذلك الإعلام الرسمي والوكالات والقنوات وصحف القطاع الخاص.

سجل التقرير، الذي تتبع الدوريات الإخبارية والتحليلات على مدار 90 يوماً، نشاطاً مرتفع الوتيرة ركز على شخصية الرئيس السوري “أحمد الشرع”، تزامناً مع بدء الإدارة الأمريكية إجراءات إزالة “قانون قيصر”، وشطب الأمم المتحدة لاسم الرئيس الشرع ووزير الداخلية من قوائم العقوبات الدولية في تشرين الثاني/نوفمبر 2025 بمبادرة أمريكية، باعتبارهما يمثلان “عهداً جديداً” في مكافحة الإرهاب.

خلصت التقارير والتحليلات الإسرائيلية في معظمها إلى ضرورة المضي في تفاهمات مع الحكومة السورية، التي باتت تلاقي ترحيباً دولياً وعلاقات وثيقة مع القوى الإقليمية، بينما عملت مسارات إعلامية أخرى على تبني نهج يستهدف تشويه صورة الحكومة السورية.

المنهجية

تتبع التقرير أبرز المواقع الإسرائيلية التي تستضيف محللين إسرائيليين ودوليين، مع تخصيص مساحة واسعة لنشرات الأخبار التي ركزت على الشأن السوري. كما حلل معدو التقرير أكثر من 6471 تغريدة على منصة “X” باللغة العبرية، بالتزامن مع رصد اهتمام ملحوظ على منصة “فيسبوك” من قبل وسائل الإعلام والناشطين الإسرائيليين.

منذ شهر تشرين الأول/أكتوبر، الذي أعقب زيارة الرئيس الشرع إلى الأمم المتحدة في أواخر أيلول/سبتمبر، حظي الشأن السوري بحضور قوي عبر المنصات الإخبارية العبرية. واستخدم الفريق أدوات رصد وتحليل متقدمة على عينة من المحتوى الإسرائيلي خلال الـ 90 يوماً الأخيرة، حيث خلصت النتائج إلى إيراد تقرير يومي واحد “على الأقل” في خمس قنوات إسرائيلية (حكومية وخاصة) تتناول الشأن السوري في مرحلة ما بعد نظام الأسد.

“الوصول قبل تركيا”

تصدر التقارب السوري التركي خلال العام الأول الذي أعقب سقوط النظام قائمة اهتمامات صناع السياسة في إسرائيل. وأفردت القنوات والصحف العبرية تغطية غير مسبوقة للزيارات المتبادلة بين دمشق وأنقرة، معبرة عن قلق المؤسسة الأمنية من المصالح المتبادلة التي باتت تشكل هواجس كبرى في الشارع الإسرائيلي. وفي هذا السياق، نشرت القناة 12 الإسرائيلية تقريراً في 6 من الشهر الجاري كانون الأول 2025 بعنوان “الزيارة المقلقة إلى سوريا.. وقلق المؤسسة الأمنية من سلوك المستوى السياسي”.

تضمن التقرير لوماً حاداً للحكومة الإسرائيلية بسبب “تقصيرها” في إنجاز اتفاقات مع سوريا، خاصة بعد تداول صورة تجمع رئيس هيئة أركان الجيش التركي “سلجوق بيرقدار” بوزير الدفاع السوري “مرهف أبو قصرة” في دمشق، وهو ما أثار ارتباكاً لدى القيادة الأمنية الإسرائيلية. وأشار التقرير بلهجة لاذعة إلى أن دول العالم، بما فيها الولايات المتحدة، تعمل على بناء علاقات مع الرئيس الشرع الذي يعزز موقعه داخلياً وخارجياً، بينما تتحفظ إسرائيل وتضيع على نفسها “فرصة ذهبية”.

أكد التقرير أن المؤسسة الدفاعية الإسرائيلية تشعر بالقلق إزاء رفض القيادة السياسية مد يد العون للنظام السوري الجديد. وقد اضطر رئيس الوزراء “بنيامين نتنياهو”، تحت ضغط الإدارة الأمريكية، إلى إصدار بيان جاء فيه أن إسرائيل “تتوقع منطقة منزوعة السلاح تمتد من دمشق إلى المنطقة العازلة، وبحسن النية وفهم المبادئ يمكن التوصل إلى اتفاق مع السوريين”. ولفتت القناة الإسرائيلية إلى أنه رغم أهمية المطالب الإسرائيلية المتعلقة بأمن الدروز، إلا أن الصراع الداخلي بينهم يُعقد الأمر.

وتخشى إسرائيل من تمدد تركي كامل على الأراضي السورية؛ إذ ذكرت آلتها الإعلامية أن زيارة رئيس الأركان التركي تهدف لتعزيز التعاون العسكري، ولا يقتصر التعاون على تزويد دمشق بالطائرات المسيرة وأنظمة الدفاع الجوي، بل يمتد ذلك إلى مساعدة سوريا على بناء جيش قوي، واصفة ذلك بـ “الكارثة” لإسرائيل إذا لم تسارع للتأثير والقيادة. وبحسب وجهة نظر المؤسسة العسكرية، يمكن تطوير الاتفاقات مع دمشق، متسائلة: “هل هناك من لديه مصلحة في إبقاء جميع الساحات مفتوحة والقتال إلى الأبد؟”.

تزامن ذلك مع متابعة دقيقة لملف “قسد”، حيث بثت إسرائيل أخباراً مضللة حول دعم عسكري تركي لدمشق لمحاربة “قسد”، وهو ما أورده موقع “جلوبس” الإسرائيلي في 8 من الشهر الجاري كانون الأول/ديسمبر 2025، مدعياً أن تركيا تسعى لتثبيت قدمها والاستيلاء على الموارد الطبيعية السورية.

محاولات إسرائيلية فاشلة

تصف الحكومة الإسرائيلية الحكومة السورية بـ “الجهادية” في أغلب تقاريرها الإعلامية الممولة عبر مواقع التواصل، سعياً للوصول إلى جمهور أوسع وتغذية حسابات آلية (Bots) لتبرير تدخلها المستمر في سوريا. ورغم اعتراف القوى الدولية بالرئاسة السورية وإبرام اتفاقات أممية.

وأظهر تحليل فريق التقصي أن 92% من المحتوى الإعلامي الإسرائيلي يبث أخباراً مضللة أو مغلوطة عن حكومة الرئيس أحمد الشرع.

وتسعى إسرائيل جاهدة لإفشال جهود الحكومة السورية في المحافل الدولية، حيث كشفت هيئة البث الإسرائيلية في 21 من الشهر الجاري كانون الأول/ديسمبر 2025 في تقرير بعنوان “واشنطن تتخذ خطوة مثيرة للجدل بإلغاء العقوبات بالكامل عن سوريا”، أن نتنياهو حاول الضغط على مقربين من الرئيس “دونالد ترامب” لعرقلة رفع “قانون قيصر”، لكن محاولاته باءت بالفشل، مما يشير إلى تراجع تأثيره على اللوبي اليهودي في أمريكا.

كما لم تغب الأخبار المغلوطة عن الخروقات العسكرية، حيث ادعت تقارير إسرائيلية أن العمليات في “بيت جن” والقنيطرة تستهدف عناصر من “حزب الله” أو “داعش”، سعياً لخلق غطاء إعلامي لتلك الخروقات.

ومن خلال بحث موسع في مراكز الأبحاث الإسرائيلية، وتحديداً “معهد فان لير” في القدس، الذي أصدر دراسة بعنوان “عام بدون الأسد: سوريا الجديدة والأمن الداخلي كدراسة حالة”، أسهب المعهد في بحث الجولات الدولية للرئيس أحمد الشرع، واصفاً استراتيجية السياسة الخارجية المعتمدة بـ “الناجحة”، حيث أعادت سوريا خلال عام واحد إلى “أحضان الأمم”.

بلغت الأمور ذروتها خلال الزيارة التاريخية للرئيس الشرع إلى البيت الأبيض في تشرين الثاني/نوفمبر 2025، ونيويورك لحضور اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، وفرنسا، وتركيا، وروسيا، ودول عربية؛ حيث رُفعت معظم العقوبات، مما مهد الطريق لتوقيع اتفاقيات اقتصادية كبرى بمليارات الدولارات لإنشاء مشاريع بنية تحتية في مختلف القطاعات الاقتصادية بعد 14 عاماً من “الحرب الأهلية الدامية”. وأشار البحث المنشور في 7 من الشهر الجاري كانون الأول/ديسمبر 2025 إلى أن الانفتاح السياسي وضبط النفس العسكري أصبحا عاملين مؤثرين، لدرجة أن “صوت السوريين بدأ يُسمع من جديد، وليس من تحت الأنقاض”.

رغم ذلك، عمد البحث إلى وصف الجيش السوري بـ “الميليشيات” التي يصعب توحيدها ضمن جيش موحد، متطرقاً إلى ملفات السويداء والساحل وقوات سوريا الديمقراطية “قسد” في محاولة واضحة لتقويض موقف الحكومة السورية تجاه هذه القضايا الحساسة. كما حثَّ كاتب الدراسة الحكومة الإسرائيلية على المراقبة اللصيقة لتحركات “حزب الشرع” الرامية لتحقيق الاستقرار، وإنعاش الاقتصاد، وتأسيس منظومة أمنية فعالة؛ محذراً في الوقت ذاته من رصد علامات لما أسماه “المحاسبة المزدوجة” أو السلوك المزدوج. ووفقاً لزعم البحث، فإن هذه الازدواجية تتمثل في تقديم خطاب ناعم لاستجداء الشرعية الدولية، بينما تُمارس أفعال مغايرة على الأرض تهدف لإقصاء الفئات المهمشة والأقليات العرقية، أو المضي في “أسلمة” البلاد، أو حتى تبني استراتيجيات عسكرية مستوحاة من النموذج التركي بما قد يشكل تهديداً مباشراً لأمن إسرائيل.

أمريكا وسوريا في دائرة الإعلام الإسرائيلي

منذ لقاء الرئيس السوري بالرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” في السعودية في أيار/مايو 2025، ينتج الإعلام الإسرائيلي تقارير مكثفة حول الدعم الأمريكي للرئيس الشرع. وفي مطلع الشهر الجاري كانون الأول/ديسمبر، أفردت القناة الثانية الإسرائيلية مساحة لتقرير بعنوان “نتنياهو يرى أشباحاً في كل مكان: البيت الأبيض قلق بشأن سياسة إسرائيل في سوريا”.

تناول التقرير الموقف الأمريكي الرافض للتصعيد الإسرائيلي، حيث صرح مسؤول أمريكي رفيع: “أبلغنا نتنياهو بضرورة التوقف، فسياسة التصعيد ستفوت فرصة دبلوماسية هائلة وتحول الحكومة السورية الجديدة إلى عدو”. ونقل التقرير صدمة “القدس” من لقاء ترامب بالشرع في السعودية، ومن ثم رفع العقوبات، والدفء الذي ساد اجتماعهما التاريخي في المكتب البيضاوي قبل أسابيع. ولأجل تقويض هذا التقارب، بثت الماكينة الإعلامية معلومات مضللة، ادعت فيها أن القتلى في “بيت جن” بريف دمشق ينتمون لـ “الجماعة الإسلامية”، ليتبين لاحقاً أنهم مدنيون، وفقاً لمسؤول أمريكي أبلغ إدارة نتنياهو برفض بلاده لتلك العملية.

تضليل ومعلومات مغلوطة

تعمل آلاف الحسابات الناطقة بالعبرية على منصة “X” بشكل منتظم لبث أخبار مضللة حول سوريا. وحلل فريق التقصي 6471 تغريدة، تبين أن 70% منها تنشر أخباراً مغلوطة، وتسيطر الحسابات الآلية على 40% منها. ومن أبرز الحسابات المضللة حساب “1News“، الذي ادعى في 13 من الشهر الجاري أن منفذ عملية مقتل الجنود الأمريكيين في تدمر هو “مرافق للرئيس أحمد الشرع”، في حين أكدت الحكومة الأمريكية أن جنودها قتلوا على يد عناصر من تنظيم “داعش”.

الخلاصة

تعمد إسرائيل عبر أجهزتها الإعلامية إلى بث الأخبار المغلوطة عن الحكومة السورية، وتتغاضى عن الجوانب الإيجابية التي تعمل عليها حكومة الرئيس أحمد الشرع، مثل عودة عدد من اليهود السوريين إلى دمشق وترميم الكنس وبيوت العبادة. ويرى خبراء في شؤون الشرق الأوسط أن إسرائيل تصعد خطابها لسببين: الأول لإبقاء سوريا في حالة قلق دائم وصرفها عن شؤونها الداخلية، والثاني لهروب حكومة نتنياهو من أزماتها الداخلية (ملف غزة وعوائل الأسرى) عبر إشغال المجتمع الإسرائيلي بأخبار زائفة.

يواصل الإعلام الإسرائيلي مراقبة الأوضاع وإصدار تقارير يومية يطغى عليها الخطاب العنصري لخدمة أجندة الحكومة. كما يركز على الدور التركي ومخاوف التمدد، مجنداً عشرات القنوات ومراكز الأبحاث لتحليل تحركات دمشق. ومن خلال مقاطعة التقارير، نجد خلافاً حاداً ومتطوراً بين المؤسسة العسكرية الإسرائيلية التي ترغب في اتفاق مع حكومة الرئيس الشرع، وبين الإدارة السياسية بقيادة نتنياهو التي تدفع نحو التصعيد والعداء.