يتتبع هذا التحقيق الجدل الذي أثاره مقترح برلماني بالسماح بضرب الطلاب في المدارس السورية وفق ضوابط محددة، بين من يرى في العقاب الجسدي وسيلة لضبط السلوك داخل الصفوف، ومن يرفضه لما يتركه من آثار نفسية وتربوية. ويستعرض موقف وزارة التربية والتعليم، ووقائع متداولة عن تعنيف طلاب، وتحذيرات منظمة الصحة العالمية، إلى جانب بدائل تربوية للعقاب البدني.
المقترح البرلماني ومبرراته

دعا النائب عن القصير في حمص، أحمد محمد السماعيل، خلال جلسة لمجلس الشعب، إلى السماح بضرب الطلاب وفق ضوابط محددة، مبرراً مقترحه بأن العقاب الجسدي قد يشكل أداة لضبط السلوك داخل الصفوف. وانتقل المقترح من قاعة المجلس إلى التغطيات الإعلامية ومنصات التواصل الاجتماعي، إذ تناولته قناة "التلفزيون العربي" تحت عنوان "إعادة الضرب للمدارس؟"، في مؤشر على حساسية القضية لدى الرأي العام السوري.
انتقادات واسعة على مواقع التواصل
قوبل المقترح بانتقادات واسعة على مواقع التواصل الاجتماعي، إذ تساءل معلقون باستنكار: "مدارس أم سجون؟"، في إشارة إلى رفضهم مبدأ العقاب الجسدي من أساسه، أياً كانت الضوابط المقترحة. فيما اعتبر آخرون أن العنف "لا يصنع رجلاً، بل عقدة" ترافق الطالب، في تعبير عن خشية من أن يترك العقاب أثراً نفسياً يمتد إلى ما بعد لحظة الضبط داخل الصف.
موقف وزارة التربية والتعميم الوزاري

في المقابل، أكد وزير التربية والتعليم محمد عبد الرحمن تركو رفض استخدام العقاب الجسدي في المدارس، معتبراً أن الضرب ليس وسيلة تربوية. ويأتي هذا الموقف متسقاً مع تعميم أصدرته الوزارة عام 2025 يحظر الاعتداء الجسدي أو اللفظي على الطلاب، ويوجّه المديريات إلى اعتماد أساليب تربوية بديلة عن العقاب، والتعامل مع حالات التجاوز وفق الإجراءات المعتمدة، بما يجعل رفض الضرب امتداداً لسياسة معلنة لا موقفاً طارئاً.
وقائع متداولة وغياب الإفادات المستقلة
وإلى جانب النقاش حول المقترح، تُتداول وقائع عن تعنيف طلاب داخل الصفوف، إذ تحدثت أم سورية عن تعرض ابنها للضرب في مدرسة "غصن الزيتون" بصحنايا، مشيرة إلى أن إدارة المدرسة اعتبرت ذلك "مسموحاً". كما انتشر مقطع يُظهر تعنيف طالب في مدرسة بريف الرقة، وجرى توقيف المدرس المعني تمهيداً لإحالته إلى القضاء. وتبقى تفاصيل الواقعتين رهن التحقيقات الرسمية، في ظل غياب أي إفادات مستقلة حتى وقت الرصد.
تحذيرات أممية من آثار العقاب البدني
تحذّر منظمة الصحة العالمية من أضرار جسدية ونفسية قد تلحق بالطفل نتيجة العقاب البدني، وتربطه بآثار سلبية على النمو والتعلم وبزيادة السلوك العدواني، كما تشير إلى ارتباطه بمشاعر الخوف والقلق وتراجع الإحساس بالأمان. وتؤكد المنظمة عدم وجود فوائد تربوية مثبتة للعقاب البدني، ما يضع المبرر الذي قدّمه المقترح البرلماني، أي ضبط السلوك داخل الصفوف، في مواجهة تقديرات صحية دولية مغايرة.
البدائل التربوية وحدود الانضباط
في مقابل العقاب البدني، تُطرح بدائل تربوية لضبط سلوك الطلاب دون اللجوء إلى الضرب، تقوم على إرساء قواعد سلوكية واضحة ومعلنة، واعتماد الحوار لفهم أسباب المخالفة ومعالجتها، وتطبيق إجراءات تأديبية متدرجة ومتناسبة مع طبيعة المخالفة، وإشراك الأهل والمرشدين التربويين عند الحاجة. كما يحتاج الانضباط المدرسي إلى حدود واضحة تحكم العلاقة بين المعلم والطالب، أبرزها:
- وضوح القواعد: تحديد المخالفات والإجراءات التأديبية بشكل لا يحتمل التأويل.
- صلاحيات المعلم: ضبطها في التعامل مع السلوك المخالف بما يمنع تجاوزها.
- الشكاوى والمتابعة: اعتماد آليات معلنة لتلقي الشكاوى ومتابعة أي تجاوز يُرتكب بحق الطلاب.
وتكشف هذه المعطيات أن جوهر الجدل لا يدور حول ضرورة الانضباط المدرسي، بل حول أدواته وحدوده، إذ يبقى التحدي في الموازنة بين حماية الطالب من الاعتداء، وصون حق المدرسة في تطبيق القواعد، في ظل موقف رسمي يرفض العقاب الجسدي، ووقائع متداولة لا تزال تفاصيلها رهن التحقيقات.