مدونة

"شمّ الشعلة": حين يتحوّل الفقر إلى دُخان يُطفئ طفولة سوريا

"شمّ الشعلة": حين يتحوّل الفقر إلى دُخان يُطفئ طفولة سوريا

في عتمة الأزقة الخلفية بدمشق وحلب واللاذقية، حيث لا تصل أضواء الشوارع ولا عيون القانون، تتكرر مشهدية واحدة لا تتغيّر: طفل، لم يتجاوز عتبة العاشرة من عمره في كثير من الأحيان، يُقرّب كيساً بلاستيكياً بالياً من أنفه، يستنشق منه بنَهَمٍ صامت، ثم يترنّح جسده الهزيل كمن فقد اتصاله بالأرض. هذا الطفل لا يلهو ولا يعبث؛ إنه يستنشق الخطر على دفعات، عبر مواد باتت تُعرف في الشارع السوري بأسماء عابرة خفيفة الوقع، ثقيلة الأثر: "الشعلة"، والبنزين، وسائر المذيبات الطيّارة.

لم تعد هذه الظاهرة استثناءً معزولاً يُروى كحادثة فردية، بل صارت مشهداً يومياً متكرراً في مدنٍ أنهكتها الحرب وأفرغتها من شبكات الحماية التي يُفترض أن تحيط بأضعف فئاتها.

ما هي "الشعلة"، ولماذا انضم البنزين إليها؟

بطاقة قسم عن مادة الشعلة والبنزين: عبوة معدنية صدئة وزجاجة سائل وكيس بلاستيكي على طاولة عمل في زقاق ليلي

"الشعلة" في جوهرها مادة لاصقة صناعية، من النوع الذي يُستخدم عادة في أعمال البناء والنجارة، غير أن تركيبها القائم على مذيبات عضوية طيّارة يمنحها خاصية مخدّرة خطيرة حين تُستنشق. وما يجعلها الخيار الأول لأطفال الشوارع ليس قوة تأثيرها فحسب، بل رخص ثمنها وسهولة الحصول عليها؛ فهي تُباع في المحال التجارية دون أي ضابط أو رقيب، بأسعار زهيدة لا تتجاوز عشرة آلاف ليرة سورية للعبوة.

غير أن اللافت في السنوات الأخيرة أن دائرة المواد المستنشَقة لم تعد تقتصر على "الشعلة"، بل اتسعت لتشمل البنزين والأسيتون والمواد اللاصقة الأخرى، ضمن ما بات يُعرف بـ"إدمان المذيبات الطيارة"، وهو نمط انتشر بين الأطفال والشباب في مناطق واسعة من سوريا. والخطورة المضاعفة أن البنزين، إلى جانب أثره العصبي المخدّر، مادة شديدة الاشتعال؛ ما يجعل استنشاقه في أماكن مغلقة أو قريبة من مصادر لهب

– وهي غالباً في تجمعات الأطفال الليلية التي تلجأ إلى إشعال الكرتون للتدفئة ، كما أنها خطراً لا يقتصر على التسمم، بل يمتد إلى احتمال نشوب حرائق أو انفجارات مفاجئة تهدد حياة الطفل ومن حوله في آنٍ واحد.

يصف مختصون في علاج الإدمان آلية عمل هذه المواد بدقة مقلقة: فهي تعبر الحاجز الدموي الدماغي مباشرة، محدثةً في البداية نشوة عابرة وإحساساً زائفاً بالطاقة والقوة، سرعان ما ينقلب – خلال دقائق – إلى خمول وتعب عميقين، ومشكلات بصرية، والتهابات عصبية حادة. أما على المدى الأبعد، فإن الاستنشاق المتكرر يفتك بالجهاز التنفسي، ويهدد الكبد والكلى، وقد ينتهي في أسوأ الحالات بتسمم حاد أو وفاة مفاجئة لا تحمل أي إنذار مسبق.

جغرافيا ظاهرة تتمدد ولا تنحسر

بطاقة قسم عن جغرافيا الظاهرة: طفل يجلس على الركام قبالة مدينة مدمّرة عند الغروب، مع خريطة لسوريا تحدد دمشق وحلب واللاذقية

بدأت جذور هذه الظاهرة تتكشف بوضوح في مخيم اليرموك المنكوب بدمشق، حين وثّقت مقاطع مصوّرة أطفالاً فقدوا أسرهم بالكامل جراء الحرب، وهم يستنشقون مادة "الشعلة" في العلن، دون خوف ولا تردد. ومنذ تلك اللحظة، لم تتوقف الظاهرة عن التمدد الجغرافي، بل توسعت لتطال أحياءً وبلدات جديدة.

ففي مدينة صحنايا بريف دمشق، تحوّلت الحدائق العامة والحارات الضيقة، بعد حلول الظلام، إلى نقاط تجمّع ليلية لعشرات الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين الثامنة والسادسة عشرة، معظمهم خارج مقاعد الدراسة، بلا مأوى ثابت يؤويهم من برد الليل. ويشكو أصحاب المحال التجارية والأهالي من سلوكيات عدوانية متصاعدة وحوادث سرقة متكررة ترافق هذه التجمعات، فيما يصفون بحسرة أطفالاً ينامون في العراء ويشعلون الكرتون للتدفئة، ليقضوا نهارهم في التسوّل وليلهم في استنشاق هذه المواد.

أما في اللاذقية، فتروي إحدى الأمهات بصوتٍ مثقل بالأسى قصة ابنها الذي يتعاطى "الشعلة" منذ ثلاثة أشهر، واصفةً معاناته اليومية من التقيؤ وآلام مبرحة في المفاصل، بينما يكشف مختصون نفسيون أن هذه الظاهرة "تنتشر بشكل خاص بين الأطفال المتسولين والفئات الأكثر فقراً"، مدفوعةً بوجود المادة في المتناول.

جذور اجتماعية لظاهرة تتفاقم

بطاقة قسم عن الجذور الاجتماعية للظاهرة: حقيبة مدرسية متروكة عند جدار متشقق وأوراق مبعثرة، وأطفال يسيرون في شارع معتم

لا يمكن فهم هذه الظاهرة بمعزل عن الإرث الثقيل الذي خلّفته سنوات الحرب على الأطفال السوريين: فقدان المعيل، والتفكك الأسري، والأمية المتفشية، والتسرب الجماعي من المدارس نتيجة تضرر المؤسسات التعليمية أو غياب القدرة على تحمّل تكاليفها. في هذا الفراغ الاجتماعي الهائل، يجد بعض "الشبان" فرصتهم في استغلال هشاشة الأطفال، فيُقدمون على تحريضهم على الاستنشاق بإغرائهم بالمال أو بوعود زائفة حول اكتساب القوة والعضلات، مستثمرين براءتهم لتحويلهم إلى ضحايا جدد. كما تشير المصادر ذاتها إلى أن تدخل الجهات الرسمية اتجه تاريخياً نحو قضايا أطفال الشوارع من زاوية أمنية وقانونية بالدرجة الأولى، عبر التوقيف والإحالة إلى محاكم الأحداث، أكثر منها معالجة اجتماعية أو صحية تعالج جذر المشكلة.

وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل.. بين مطالبات الأهالي وبطء الاستجابة المؤسساتية

بطاقة قسم عن وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل: أطفال يصطفون أمام مبنى رسمي يرفرف فوقه العلم السوري، ومكتب تتكدس فيه الملفات

يتكرر في شهادات الأهالي مطلبٌ واحد لا يتغيّر: تدخل عاجل من وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل لحماية هؤلاء الأطفال، عبر توفير مراكز إيواء آمنة، وإخضاعهم لبرامج علاجية متخصصة، وتقديم الرعاية الصحية والنفسية اللازمة. غير أن الواقع الميداني، كما يصفه سكان صحنايا، يكشف عن فجوة واسعة بين المناشدة والاستجابة: فرغم تكرار الشكاوى إلى الجهات الأمنية، اقتصر التعامل مع هؤلاء الأطفال في كثير من الحالات على توقيفهم مؤقتاً ثم إطلاق سراحهم في اليوم التالي، دون أي حل اجتماعي أو صحي أو إيوائي طويل الأمد.

وقد كشف أحد التحقيقات الاستقصائية عن إشكاليات ملموسة في إدارة بعض مراكز الرعاية التابعة للوزارة، كمركز "باب مصلّى" بدمشق، حيث لوحظ تفاوت صارخ بين الطاقة الاستيعابية للمركز والحاجة الفعلية للأطفال المشرّدين، إلى جانب ما وصفه عاملون فيه، تحدثوا بشرط عدم الكشف عن هويتهم خشية الفصل من العمل، بـ"الفوضى" في إدارة شؤون الأطفال المقيمين.

في المقابل، لا يمكن إغفال بعض التحركات المؤسساتية الأوسع ضمن ملف حماية الطفل عموماً: فقد أطلقت الوزارة خطتها الاستراتيجية للأعوام 2026-2028، التي تهدف إلى ضمان الوصول العادل والفعّال لمنظومة الحماية الاجتماعية، وتعزيز برامج التمكين الاقتصادي للفئات الأكثر ضعفاً.

وفي ملف عمالة الأطفال الموازي، أعلنت الوزارة عن حملات تفتيشية مستمرة تنفذها مديرية تفتيش العمل بالتعاون مع مديريات الشؤون الاجتماعية في المحافظات، أسفرت عن فرض ثلاث وعشرين غرامة خلال عام 2024 بحق منشآت شغّلت 48 طفلاً دون السن القانونية، تلتها 22 غرامة إضافية في عام 2026 بحق منشآت شغّلت 27 حدثاً. كما أُعلن، بالتعاون مع وزارة الداخلية، عن حزمة إجراءات لتسريع التحقيقات في ملف الأطفال المفقودين، شملت تشكيل فريق أمني متفرغ وتكثيف تبادل البيانات بين الوزارتين لإعداد قاعدة بيانات وخريطة شاملة تساعد على متابعة أوضاع الأطفال.

غير أن هذه الجهود، على أهميتها، تبقى – بحسب متابعين للملف – مبعثرة وغير موجّهة تحديداً لأزمة استنشاق الشعلة والبنزين بين الأطفال، إذ لا تزال تفتقر إلى خمس ركائز أساسية: مراكز إيواء وعلاج متخصصة، وحملات توعية ميدانية مكثفة في الأحياء الأكثر تضرراً، وضبط تجاري صارم يمنع بيع الشعلة والبنزين للقاصرين، وتحذير مجتمعي واضح من خطر الاشتعال والحرائق الملازم لاستنشاق هذه المواد قرب مصادر اللهب، وآلية متابعة نفسية واجتماعية مستدامة تتجاوز المقاربة الأمنية البحتة.

جرس إنذار لم يُسمع بعد

بطاقة قسم جرس الإنذار: طفل يقف وحيداً في شارع مظلم أمام بوابة مغلقة، تحيط به دوائر وخطوط متوهجة

استنشاق "الشعلة" والبنزين ليس سلوكاً عابراً في زاوية شارع مهمل، بل مرآة تعكس بصدق مؤلم حجم الشرخ الذي أحدثته الحرب في منظومة الحماية الاجتماعية لأطفال سوريا؛ أطفال خسروا المعيل والمأوى والمدرسة معاً، فوجدوا في كيس بلاستيكي رخيص وعبوة بنزين مسروقة ملاذاً وهمياً من واقع لا يرحم، ملاذاً يحمل في طياته خطر التسمم والاشتعال المفاجئ. ومعالجة هذه الأزمة تستلزم تكاملاً حقيقياً بين الأدوار الأمنية والصحية والاجتماعية، وتفعيلاً فعلياً وعاجلاً لدور وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل، عبر برامج وقائية وعلاجية ميدانية استباقية، لا مجرد استجابات متأخرة تأتي بعد أن يكون الطفل قد سقط بالفعل في هذه الدوامة.