رصد تحقيق رقمي أجرته منصة "كشاف" شبكة حسابات مترابطة تعمل على تضخيم موجات الغضب داخل النقاشات العامة السورية، عبر التعليق المنسق على منشورات بعينها وإعادة تدوير الرسائل ذاتها. ويُظهر التتبع أن الهويات الظاهرة لهذه الحسابات تستند إلى صور منتحلة، وأن توقيت نشرها وصياغة منشوراتها يتكرران بنمط واحد يتجاوز حدود التفاعل الفردي العفوي.
المنشور المركزي وبداية الرصد

انطلق التتبع من منشور إخباري تناول إصابة معاون وزير السياحة، رُصدت في تعليقاته مجموعة حسابات تتحرك وفق جدول زمني متقارب. ولم يكن حضور هذه الحسابات منفصلاً، إذ تكرر ظهورها داخل النقاشات ذاتها، ودعمت المنشورات نفسها، وأعادت تدوير الرسائل ذاتها، بما يمنحها انتشاراً مرتفعاً وفق خوارزميات المنصات. ويشير هذا التقاطع المتكرر إلى نشاط منظم يتجاوز التفاعل الفردي.
انتحال الصور والهويات الرقمية

لم يبدأ التحقق من مضمون المنشورات، بل من الصور التي تقدمها الحسابات عن نفسها. فقد أعاد البحث العكسي عدداً من هذه الصور إلى أصحابها الأصليين، وهم صانعو محتوى وشخصيات عامة لا صلة لهم بالحسابات التي استخدمتها. ولا يشكل انتحال الصور وحده محور التحقيق، لكنه يسقط افتراض أن خلف كل حساب شخصاً مستقلاً، وفق التطابقات الآتية:
- حساب "رند العلي": استخدم صوراً تعود لصانعة المحتوى الفلسطينية "رهف برو".
- حساب "ميرنا حداد": اعتمد صوراً للممثلة التركية "سيلين أوزبايرق".
- حساب "ميرنا علي": نسب إلى نفسه صوراً تعود للمؤثرة "رزان".
- حساب "فاطمة الإبراهيم": استعان بصور لشخصيات معروفة إقليمياً.
تطابق الصياغة وتوقيت النشر

لم يقتصر التشابه بين الحسابات على موضوع المحتوى، بل امتد إلى أسلوب صياغة المنشورات وتسلسل طرح الأفكار وتوقيت النشر. وقد نشرت أربعة حسابات على الأقل المنشور نفسه مرفقاً بالصورة ذاتها في التاريخ نفسه، بمطالع متطابقة حرفياً. ويتكرر هذا النمط داخل مساحات التفاعل نفسها، حيث تدعم الحسابات المنشورات ذاتها وتعيد دفعها إلى واجهة النقاش.
بنية الشبكة ونقطة الانطلاق
عند فحص الحسابات منفردة تبدو الصورة مشتتة، لكن جمعها في شبكة واحدة يكشف منهجية عمل: التطابق في الهوية، وتكرار أنماط النشر، وتناغم التوقيت. وتشير البيانات المرصودة خلال فترة التقرير إلى نقطة انطلاق مركزية تتكرر داخل الشبكة، إذ تُنشر المادة عبر مصدر أساسي أولاً، ثم تتحرك بقية الحسابات لتعزيزها. وبذلك ينتقل الرصد من تعليقات فردية إلى آلية منظمة لإدارة التفاعل.
أثر الشبكات المنسقة على النقاش العام
لا ينفصل نشاط هذه الحسابات عن واقع النقاش الرقمي في البيئة المحلية. ففي ظروف تتسم بالحذر، يسهم الضغط الرقمي المنسق في تقليص مساحة النقاش العام وتوجيه الوعي الجماعي والتأثير في الذاكرة المجتمعية. وتعمل هذه الحسابات بوصفها أداة لإدارة الانطباعات، تستثمر الإنهاك المجتمعي لترسيخ انطباع بأن التفاعل الفردي بلا أثر، وأن الضجيج المفتعل هو المسار الوحيد المتاح.
منهجية التحقق الرقمي
استند هذا التحقيق إلى ثلاث أدوات متقاطعة: التحقق البصري عبر البحث العكسي عن الصور (Reverse Image Search)، وتحليل توقيتات النشر (Timestamp Analysis)، ورسم خرائط التفاعل (Network Mapping) لتحديد العلاقة بين الحسابات والمصدر المركزي. وبتقاطع هذه المؤشرات لا يعتمد تقييم حملات التأثير على منشور أو حساب منفرد، لينتهي الفحص إلى أن هذا النشاط ليس تفاعلاً عضوياً، بل حملة توجيه رقمي منظمة.