يوثق هذا التحقيق مسار أحمد بدر الدين حسون، مفتي الجمهورية السورية السابق، من موقعه على رأس المؤسسة الدينية الرسمية إلى مثوله أمام القضاء بتهم التحريض على القتل وجرائم ضد الإنسانية. ويتتبع كيف تحول المنصب الديني الأعلى في البلاد إلى أداة لإضفاء الشرعية على خيارات النظام البائد الأمنية والعسكرية طوال سنوات الثورة السورية.
النشأة والتكوين العلمي
ولد أحمد بدر الدين حسون في مدينة حلب عام 1949، وتلقى تعليمه الشرعي في المدرسة الخسروية التاريخية، وهي من أقدم المدارس الدينية في المدينة. ثم انتقل إلى مصر حيث حصل على إجازة جامعية في اللغة العربية من جامعة الأزهر، قبل أن ينال درجة الدكتوراه في الفقه الشافعي من الجامعة نفسها. شكّل هذا المسار التعليمي الرصيد الرمزي الذي استند إليه لاحقاً في تولي أرفع منصب ديني رسمي في البلاد.
الصعود في ظل السلطة
تولى حسون منصب مفتي الجمهورية عام 2005 خلفاً لأحمد كفتارو، ليصبح الوجه الرسمي للمؤسسة الدينية في سوريا. وارتبط اسمه منذ ذلك الحين بعلاقات وثيقة مع أجهزة الأمن والمخابرات السورية. ومع اندلاع الثورة عام 2011 تبنى رواية النظام البائد فور انطلاق الاحتجاجات، وصنّف الحراك الشعبي بوصفه "مؤامرة خارجية" تستهدف استقرار البلاد، وهو التوصيف الذي رافق خطابه في السنوات التالية.
الغطاء الديني لسياسات القمع
وظّف حسون موقعه لإصدار مواقف دينية تدعم الخيار الأمني. فدعا إلى عدم قتال جيش النظام واعتبر الانضمام إليه واجباً شرعياً، وهاجم اللاجئين السوريين واصفاً إياهم بـ"الخدم" و"القتلة المأجورين". كما برر الوجود العسكري الروسي في سوريا واعتبره دعماً لا احتلالاً، ووصف التدخل الروسي بأنه إسناد للدول في مواجهة ما سماه "الإرهاب"، بما جعل الفتوى امتداداً مباشراً للموقف الرسمي.
المنبر في خدمة الثكنة

صاغ حسون إطاراً أيديولوجياً يجعل الفتوى الدينية تابعة لقرار الدولة في زمن الحرب. ورأى أن مواجهة الثوار تندرج ضمن مفهوم دفع الفوضى الداخلية، فنقل الخلاف السياسي إلى حقل الأحكام الشرعية. وفي الامتداد الإقليمي قدّم إيران بوصفها جزءاً جوهرياً من محور المقاومة في سوريا، وبرر التدخل الإيراني باعتباره مرتبطاً بحماية مشروع المقاومة، لا بوصفه انخراطاً في نزاع داخلي.
الغطاء الإقليمي تحت عباءة المقاومة
امتد التبرير نفسه إلى حزب الله، الذي وصفه حسون بأنه جزء من محور المقاومة في مواجهة إسرائيل، وأشاد بدوره في دعم النظام البائد خلال سنوات الثورة السورية. وربط وجود الحزب على الأرض السورية بمواجهة ما وصفه بـ"الإرهاب" وحماية كيان الدولة، واعتبره قوة داعمة استراتيجية لا تدخلاً خارجياً في الشأن السوري، وهو ما نزع عن الحضور المسلح صفة التدخل.
نهاية فقه التبرير

بعد سقوط نظام الأسد اعتُقل حسون أثناء محاولته مغادرة سوريا عام 2025، ثم أحيل إلى القضاء وبدأت إجراءات محاكمته الفعلية عام 2026، وتضمنت لائحة الاتهام التحريض على القتل وجرائم ضد الإنسانية. ولا تزال الإجراءات القضائية مستمرة للفصل في التهم المنسوبة إليه. وتضع هذه المحاكمة المؤسسة الدينية الرسمية أمام سؤال مفتوح حول حدود المسؤولية حين يتحول المنبر إلى أداة في يد السلطة.