تاريخ النشر: 20 تشرين الأول/أكتوبر 2025
بين أحداث الساحل وحملة “منا وفينا”.. ترابط في التضليل وإحياء لوسم عاجز
كشف تحقيق استقصائي أجرته منصة كشاف عن حملة رقمية واسعة النطاق انطلقت تحت وسم “#فشرتو”؛ وهو الوسم الذي تعود جذوره إلى شهر آذار/مارس 2025 إبان أحداث الساحل السوري. وقد أُعيد استغلال هذا الوسم وتفعيله خلال الأيام القليلة الماضية من قبل حسابات مضللة وأخرى تحريضية، بالتزامن مع حملة تبرعات أهلية أطلقتها فعاليات في محافظة السويداء تحت مسمى “السويداء منا وفينا”.
جذور القصة: من الساحل إلى الفضاء الرقمي
بدأت خيوط القضية منذ أحداث الساحل السوري، عندما انتشر وسم #فشرتو بسرعة قياسية على منصة “إكس” (تويتر سابقاً). وفي حين بدا الوسم كحملة محلية عفوية عبّر فيها مؤيدون للنظام السوري السابق عن غضبهم، إلا أن التحليل الشبكي الموسع الذي أجراه فريقنا كشف لاحقاً عن وجود شبكة رقمية منظمة تقف خلف هذا الانتشار. تعتمد هذه الشبكة على حسابات مركزية تتولى إدارة وتوزيع المحتوى، مدعومة بمئات الحسابات الوهمية التي تمارس التفاعل الممنهج لإعطاء انطباع زائف بوجود إجماع شعبي واسع.
آلية التضخيم: صناعة التضليل المبرمج
اعتمد التحقيق على تتبع الحسابات النشطة ضمن الوسم خلال الأشهر الأولى من إطلاقه، وجاءت النتائج لتقطع الشك باليقين: ثمة بنية تضخيم رقمي منظمة تعمل وفق منهجية متكررة ومدروسة. حيث تقوم الحسابات المركزية بإنتاج وضخ الرسائل، بينما تتولى الحسابات الثانوية (التي تبيّن أنها “بوتات” أو حسابات مجهولة الهوية) إعادة نشرها بكثافة وبرقابة زمنية دقيقة. هذه الآلية كانت كفيلة بنشر معلومات مضللة وخطابات تحريضية على نطاق واسع خلال ساعات معدودة.
وقد كشفت تصنيفات الحسابات المشاركة عن تنسيق عابر للحدود وأجندات متباينة:
- حسابات إقليمية: حسابات لبنانية وعراقية موالية للنظام السوري السابق وحزب الله وإيران، تبنّت خطاباً طائفياً مباشراً يستهدف الإدارة السورية الجديدة.


- حسابات موالية للأسد: أظهرت هذه الكتلة مرونة تكتيكية؛ فمن جهة دعمت النظام السابق وهاجمت المعارضة، ومن جهة أخرى استغلت أحداث السويداء لدعم خطاب الاحتجاج لتحقيق مآرب سياسية محددة.


- حسابات آلية مجهولة (بوتات): أدت الدور المحوري في عملية التضخيم، مع اعتماد مكثف على المقاطع المرئية القصيرة والنصوص التحريضية سريعة الانتشار لضمان الوصول إلى أكبر شريحة ممكنة.
غرف التحكم الرقمية والانتشار العابر للحدود
تُظهر البيانات التي جمعها فريق التحقيق أن أكثر من 48% من المنشورات المرتبطة بالوسم صدرت من خارج الأراضي السورية، وتحديداً من لبنان، العراق، والإمارات. ويشير هذا المعطى بوضوح إلى وجود ما يُعرف بـ “غرف تحكم رقمية” (Cyber Command Rooms) تدير مجموعات الحسابات بشكل مستقل، مع اتباع تنسيق مشترك في صياغة الرسائل وتوقيت النشر. كما حدد التحليل الشبكي ثلاث كتل رقمية رئيسية مترابطة داخلياً، لكنها تعتمد ضعف الاتصال البيني كاستراتيجية لإخفاء البنية الكاملة للحملة المنسقة.
وتركزت الرسائل التي روجت لها الحملة على ثلاث ركائز أساسية:
- التحريض الطائفي: خاصة في منطقة الساحل، حيث جرت محاولات حثيثة لتصوير النزاع كحرب طائفية، بعيداً عن سياقاتها السياسية أو الاجتماعية.
- المعلومات المضللة: تعمدت الحملة نشر مقاطع مصورة قديمة أو منتزعة من سياقها، إلى جانب أخبار كاذبة حول أعمال عنف أو تمييز مزعوم ضد الأقليات.
- التلاعب بالخوف: الترويج الممنهج لفكرة حتمية وقوع “حرب أهلية طائفية”، بهدف بث القلق وتعميق الانقسام المجتمعي.
السويداء: استهداف المبادرات الإنسانية بذات السلاح
ظهرت المفارقة الجلية لاحقاً في محافظة السويداء؛ فبعد أشهر من إطلاق الحملة الأولى، أطلقت المحافظة مبادرة إنسانية بعنوان “السويداء منا وفينا”، تهدف لجمع تبرعات لإعادة تأهيل البنية التحتية والمدارس ودور العبادة. إلا أنه وبمجرد بدء انتشار المبادرة، أُعيد تفعيل وسم #فشرتو من جديد، ولكن هذه المرة كأداة هجومية ضد حملة “منا وفينا”.
أظهرت المتابعة الرقمية أن ذات الحسابات التي قادت حملة “فشرتو” في الساحل كانت هي المحرك الأساسي لنسختها الجديدة في السويداء. ونشرت هذه الحسابات تدوينات متشابهة حرفياً، تضمنت صورة لمجموعة من الفنانين المشاركين في حملة “منا وفينا”، مرفقة بتعليقات تحريضية ودعوات صريحة للامتناع عن التبرع. وسرعان ما استحال الوسم إلى منصة للهجوم الطائفي ضد القائمين على الحملة الخيرية، لا سيما مع دخول حسابات مثل @a_for_vendetta7 و @Christiney_S على الخط بنشر محتوى يهاجم الحكومة ويدعو لمقاطعة المبادرة.
بالأرقام: البنية الرقمية المصطنعة
كشف تحليلنا للبيانات أنه في الفترة ما بين شهر آذار/مارس وتشرين الأول/أكتوبر 2025، تم إنشاء 312 حساباً جديداً على منصة “إكس” خصيصاً للترويج لهذا الوسم. تم إنشاء معظم هذه الحسابات في فترات زمنية متقاربة جداً، وهي تنشر محتوى مكرراً وتتفاعل مع بعضها بشكل اصطناعي (إعجابات وإعادة تغريد متبادلة)، دون أن يكون لها أي نشاط سابق يذكر، مما يعزز فرضية إنشائها لغرض تشغيل هذه الحملة حصراً.
وتؤكد الأدلة الرقمية أن حملة #فشرتو لم تكن حراكاً عفوياً، بل هي عملية تضليل منسقة أطلقها موالون للنظام السابق في الساحل، ثم جرى توظيفها لاحقاً في السويداء لضرب حملة “منا وفينا”. وقد اعتمدت بشكل كلي على الحسابات الوهمية ودعم المنصات الموالية لحزب الله لإعادة إنتاج الانقسام السوري في الفضاء الرقمي.
الحملة لم تقتصر على التضليل الإعلامي، بل استخدمت الأدوات الرقمية كسلاح سياسي لتشويه مبادرات مدنية وتحويل الخلافات الاجتماعية إلى صراعات على مختلف الساحات، في واحدة من أوضح الحالات على استخدام التضخيم الرقمي كوسيلة للتحريض الممنهج في الفضاء السوري.

يوضح هذا الرسم البياني الراداري أن حملة #فشرتو في أحداث السويداء كان لها أعلى تأثير في التأجيج والانتشار الرقمي، مقارنة بأحداث الساحل.
نقطة الانطلاق: تسلسل زمني للتحريض من الساحل إلى السويداء
بدأت الحملة فعلياً في آذار/مارس 2025، مع نشر التغريدة الأولى عبر حساب @a_for_vendetta7. تلا ذلك انتشار متسلسل ومنظم عبر مجموعة من الحسابات، أبرزها:
- منشورات على منصة فيسبوك.
- حسابات إخبارية مثل @X_news_media.
- حسابات أخرى منها: @Syriafree2026, @JustLlady, @safwan1432, @MarwaA76699, @ginyadnan, @jarn66483.
ورغم انطلاقها كرد فعل على أحداث الساحل، إلا أنها تحولت إلى معارضة علنية وشرسة لمبادرة “منا وفينا” التي شارك فيها نخبة من النشطاء والفنانين والسياسيين في السويداء.
التنظيم الرقمي المسبق
شهدت الحملة ذروة تفاعلها بين يومي 7 و9 تشرين الأول/أكتوبر 2025، حيث ظهرت الحسابات الـ 312 الجديدة دفعة واحدة. استخدمت هذه الحسابات صياغات متطابقة، مما يعكس استراتيجية مركزية لتوجيه الخطاب وضمان هيمنته على النقاشات الجارية.

يوضح هذا الرسم البياني العمودي أن حملة #فشرتو في السويداء شهدت أعلى عدد من الحسابات الجديدة وحجم التفاعل، مما يشير إلى حملة منسقة لتضخيم الخطاب التضليلي.
أدوات الرصد والتحليل المستخدمة
لضمان دقة النتائج، سخر فريق التحقيق مجموعة من الأدوات التقنية المتقدمة، شملت:
- تتبع الروابط: عبر أدوات تتبع URL للوصول إلى المصادر الأصلية للمنشورات.
- التحليل الزمني: رصد توقيت النشر وتكراره بدقة متناهية.
- تصنيف الحسابات: وفق أنماط التسمية (عشوائية، رقمية، أو متسلسلة).
- رصد التفاعل: تتبع عمليات إعادة النشر والتعليقات المتزامنة.
- مقارنة المحتوى: استخدام أدوات كشف التكرار لتوثيق الصياغات الموحدة والموجهة.
هذه الأدوات مكّنت الفريق من تحديد أنماط النشر المنسق، وكشف الحسابات التي أنشئت خصيصًا للحملة، وتوثيق مؤشرات التلاعب.
من رفض التبرعات إلى التأجيج
رغم أن الغاية المعلنة للحملة تمثلت في رفض مبادرة التبرعات، إلا أن التحليل المعمق للمحتوى المنشور كشف عن انحراف جذري نحو خطاب تحريضي استهدف تمزيق المكونات الاجتماعية السورية. وقد رصد التحقيق استخداماً مكثفاً لمفردات ذات طابع استفزازي، بالتزامن مع إعادة نشر محتوى بصياغات متطابقة عبر شبكة واسعة. كما برز نشاط مريب لحسابات تحمل أسماء عشوائية مكونة من أحرف وأرقام، وهي السمة التقنية الأبرز للحسابات الوهمية “البوتات”. وأكدت البيانات وجود أنماط متزامنة في توقيت النشر، مما يرجح فرضية استخدام أدوات برمجية آلية أو تنسيق جماعي عالي المستوى لإغراق الفضاء الرقمي بمحتوى موجه.
تداعيات الحملة على النسيج الاجتماعي المحلي
لم تكن آثار حملة “#فشرتو” مقتصرة على الفضاء الرقمي، بل امتدت لتضرب النسيج الاجتماعي في محافظة السويداء بشكل ملموس. وبينما كان العنوان العريض هو معارضة حملة تبرعات، استُغلت المنصة لنشر خطاب كراهية أدى إلى النتائج التالية:
- تصاعد حدة الاستقطاب وتعميق الانقسامات داخل المجتمع المحلي.
- تدهور الثقة المتبادلة بين المكونات الطائفية المختلفة.
- خلق عقبات حقيقية أمام إنجاز أي مبادرات تنموية أو إغاثية موحدة تخدم الصالح العام.
النقاط الجوهرية حول حملة “#فشرتو”
- مسار التحول الجغرافي والزمني: انطلقت الشرارة الأولى للحملة في آذار/مارس 2025 كاستجابة لأحداث الساحل السوري، قبل أن يُعاد تدويرها وتوجيهها لرفض مبادرة “السويداء منا وفينا” المخصصة لجمع التبرعات.
- خارطة الفاعلين والدوافع الخفية: انخرطت في الحملة حسابات تابعة للنظام السوري السابق ومؤيدين لحزب الله اللبناني، حيث جرى توظيفها من قبل أطراف محددة في السويداء لبث خطاب تضليلي وتحريضي يستهدف المبادرة الإنسانية.
- البصمة الرقمية والذروة الزمنية: سجلت الحملة أعلى مستويات التفاعل في الفترة ما بين 7 و9 تشرين الأول/أكتوبر 2025، مع توثيق إنشاء 312 حساباً جديداً خُصصت حصراً للترويج لهذا الوسم، مما يكشف عن بنية تنظيمية رقمية ضخمة وممنهجة.
الخلاصة: نهج موحد وترابط متناسق تستهدف النسيج السوري
يخلص التحقيق إلى أن حملة “#فشرتو” لم تكن مجرد حراك عفوي لمعارضة مبادرة تبرعات، بل استُخدمت كمنصة منظمة لبث خطاب الكراهية وتضليل الرأي العام. وتعد مؤشرات “تكرار المحتوى” و”تزامن النشر” أدلة تقنية دامغة على وجود بنية برمجية ممنهجة تسعى للتأثير في التوجهات العامة عبر آليات تفتقر للشفافية. ورغم عدم إدراك بعض المشاركين لهذه الديناميكيات المعقدة، إلا أن النتائج الميدانية كانت حاسمة في تعزيز الاستقطاب، وتسميم العلاقات المجتمعية، وتقويض فرص الحوار السلمي.
التنسيق العابر للحملات: تتبع “الأجندات الهدامة”
كشف الرصد الرقمي أن حملة “#فشرتو” سُبقت بأيام قليلة بحملات تضليلية مشابهة، قادتها حسابات ونشطاء مرتبطون بأجندات تستهدف تقويض استقرار المجتمع السوري. تعمل هذه الشبكات على “تلميع” أطراف متناقضة ظاهرياً، مثل ميليشيات “قسد” و”الهجري” وصولاً إلى شخصيات مرتبطة بنظام الأسد البائد، في مفارقة تكشف عن وحدة المصدر الموجه.
وقد وثق التحقيق نقاطاً جوهرية تثبت هذا الترابط المنسق:
- الدعم الخارجي المريب: رصد التحقيق تفاعلاً ودعماً إلكترونياً مكثفاً لهذه الحسابات من قبل معرفات تحمل دلالات وأعلاماً إسرائيلية ورايات دينية محددة، مما يشير إلى نهج موحد في الإدارة والتحريض.
- الديناميكية الزمنية: تتبع الحملات نسقاً “متسلسلاً” يمنع تداخلها زمنياً، حيث تولد مع كل حملة جديدة مجموعات من الحسابات الإلكترونية الحديثة، مما يضمن استمرارية الضخ الإعلامي دون انقطاع.
- غرفة العمليات الخارجية: تقود هذه المعطيات إلى استنتاج مهني راسخ بوجود “قاعدة إلكترونية خارجية” تهدف بشكل استراتيجي إلى مهاجمة مؤسسات الدولة السورية وضرب تماسك نسيجها الاجتماعي. ويعتمد هذا الكيان الرقمي على مزيج من الحسابات الحقيقية والوهمية التي اتخذت نمطاً هجومياً ثابتاً منذ انهيار نظام الأسد في كانون الأول/ديسمبر 2024.
الحسابات التي رصدها التحقيق:
حملة فشرتو:
اول من بدأ بالحملة

تلاه في النشر والانتشار حساب






