الادعاء الأخبار

حربُ المياه.. هل هو التهديد القادم لسوريا؟

حربُ المياه.. هل هو التهديد القادم لسوريا؟

تاريخ النشر: 13 تشرين الثاني/نوفمبر 2025

في الوقت الذي تتجه فيه أنظار العالم نحو الصراعات السياسية والعسكرية، يبرز تهديد صامت يتسلل إلى عروق الأرض السورية، مهدداً حياة الملايين. “حرب المياه” ليست مجرد عنوان عابر، بل هي واقع يفرضه تقاطع الإهمال الداخلي، والدمار العسكري، والأطماع الإقليمية، في بلد كان يوماً يُعرف بخصوبة أرضه ووفرة ينابيعه.

المفارقة الجغرافية: وفرة في الخرائط وشح في الواقع

تُظهر البيانات الجغرافية أن سوريا تمتلك بنية مائية غنية نظرياً؛ فهي تتقسم إلى سبعة أحواض مائية رئيسية (حوض دجلة والخابور، حوض الفرات وحلب، حوض العاصي، حوض الساحل، حوض بردى والأعوج، حوض اليرموك، وحوض البادية). وتتمتع البلاد بوجود 16 نهراً وتسع بحيرات رئيسية تغطي مساحة إجمالية تصل إلى 1174 كيلومتراً مربعاً.

إلا أن هذا الغنى الجغرافي لم يمنع تصنيف سوريا ضمن الدول الـ 25 الأكثر عرضة للتحديات المائية في العالم. هذا التناقض الصارخ يفتح الباب أمام تساؤلات كبرى حول الأسباب الحقيقية لهذا الانهيار المائي.

تركة الحرب والزلازل: شبكة متهالكة تحت الأنقاض

لم تكن الشبكة المائية السورية بمنأى عن آلة الحرب. فقد تراجعت كفاءتها بشكل حاد نتيجة سياسات نظام الأسد واستخدامه المفرط للأسلحة، لا سيما الصواريخ العنقودية التي استهدفت البنى التحتية بشكل مباشر.

جاء زلزال 6 شباط/فبراير 2023 ليزيد الطين بلة، مخلفاً دماراً إضافياً في خطوط الإمداد. وتُشير التقديرات إلى أن الشبكة المائية تحتاج اليوم إلى ما لا يقل عن 700 مليون دولار لإعادة تأهيلها وإعادتها للخدمة. وتظهر الصور المرفقة حجم الدمار في أنابيب الضخ الرئيسية وعمليات الإصلاح البدائية التي تجري وسط الركام.

المصالح الإقليمية: خناق “الفرات ودجلة”

خارج الحدود، تدور معركة أخرى على منابع الحياة. فرغم الاتفاقيات الموقعة في عام 1987 مع دول الجوار، إلا أن الواقع الميداني يشي بتجاوزات كبرى:

  • تركيا تسيطر حالياً على 90% من تدفقات نهر الفرات و44% من تدفقات نهر دجلة.
  • انخفضت تدفقات نهر الفرات إلى أقل من النصف منذ عام 2021، مما أدى إلى جفاف مساحات واسعة وتراجع إنتاج الطاقة الكهرومائية من السدود السورية.

تُظهر الصور الجوية للسدود السورية تراجعاً مخيفاً في مناسيب المياه، حيث انحسرت الشواطئ وظهرت قيعان البحيرات في مشهد ينذر بكارثة بيئية.

السياسات الداخلية: التلوث واستنزاف الجوف

بعيداً عن التدخلات الخارجية، ساهمت السياسات الداخلية الخاطئة في تفاقم الأزمة. فقد أدى تضرر قطاع الزراعة إلى تلوث المجاري المائية بنسبة تصل إلى 70% من مياه الصرف الصحي غير المعالجة.بالتوازي مع ذلك، انتشرت ظاهرة الحفر غير المدروس للآبار الجوفية، مما أدى إلى استنزاف المخزون الاستراتيجي للبلاد. والنتيجة الصادمة هي انخفاض حصة الفرد السنوي من المياه إلى أقل من 500 متر مكعب، وهو رقم يقع تحت خط الفقر المائي العالمي المحدد بـ 1000 متر مكعب سنوياً.

التحديات المقبلة: جوعٌ يطرق الأبواب

يرتبط الأمن المائي بالأمن الغذائي ارتباطاً عضوياً. ومع وصول عدد السوريين المهددين بانعدام الأمن الغذائي إلى 16 مليون شخص، تحاول الحكومة السورية حالياً العمل على مشاريع لاستصلاح البنية التحتية، وإعادة تأهيل السدود، وإنشاء محطات لتحلية مياه الصرف.

تُظهر الخرائط التحليلية أن منطقة الهلال الخصيب بأكملها تواجه مستقبلاً مائياً حاداً نتيجة نقص الأمطار، سوء الإدارة، وبناء السدود بشكل منفرد في دول المنابع. الخريطة المرفقة تلون منطقة الهلال الخصيب باللون الأحمر القاني، في إشارة إلى “منطقة الخطر الشديد” التي تتطلب استراتيجيات نجاة فورية.

يبقى السؤال الجوهري قائماً: هل ستتمكن الخطط الحكومية من تدارك هذا الخطر الوجودي.