تاريخ النشر: 14 تشرين الأول/أكتوبر 2025
في عالم الصحافة الاستقصائية، تُعدّ الوثيقة هي الحصن الأخير للحقيقة. ومع ذلك، يبرز تساؤلٌ جوهريٌ عندما تتقاطع رواية المسؤول مع ما يملكه أرشيف مؤسسته من أدلةٍ دامغةٍ. يرصد هذا التحقيق الاستقصائي التناقضات الصارخة في بيانات مدير “المرصد السوري لحقوق الإنسان”، رامي عبد الرحمن، حول قضية تجنيد الأطفال في شمال وشرق سوريا، وذلك عبر تحليل المصادر الموثقة على شبكة الإنترنت.
أولاً: “تحدي النفي”.. التصريح المثير للجدل
بدأت خيوط التحقيق من مقابلةٍ أجراها رامي عبد الرحمن مع برنامج “هاشتاغ”، حيث تبنّى فيها موقفاً حاداً بنفيه القاطع لوجود أي عمليات تجنيدٍ للأطفال على يد قوات سوريا الديمقراطية “قسد”. ولم يكتفِ عبد الرحمن بالنفي، بل أطلق “تحدياً” طالب فيه بتقديم أي أسماءٍ أو تقاريرٍ تثبت حدوث ذلك، زاعماً استعداده للتحرك دولياً في حال ثبوت العكس.
ثانياً: “أرشيف المرصد”.. الحقائق التي لا تموت
عند العودة إلى الأرشيف الرقمي للمرصد السوري، نجد تاريخاً طويلاً من التوثيق الذي يدحض هذا النفي الحديث:
- قضية الطفل محمد حسن: في منشورٍ رسميٍ صادرٍ بتاريخ 13 كانون الأول/ديسمبر 2022، وثّق المرصد تجنيد قاصرين عبر منظمة “الشبيبة الثورية” (جوانين شورشكر)، ودعا صراحةً قيادة “قسد” لوقف هذه العمليات وإعادة الطفل محمد حسن البالغ من العمر “14 عاماً” إلى ذويه.
- تقرير ريف الدرباسية: في 1 آذار/مارس 2022، نشر المرصد تقريراً أكد فيه أن الأهالي في ريف الدرباسية باتوا يخشون إرسال أطفالهم إلى المدارس. وأوضح التقرير أن سبب هذا الخوف هو نشاط “الشبيبة الثورية” في تجنيد الأطفال، مؤكداً استمرار هذه الظاهرة عبر منشوراتٍ متلاحقةٍ.


ثالثاً: نمطٌ متكررٌ ومعسكراتُ تدريبٍ موثقةٌ
لا تقتصر الأدلة على حالاتٍ فرديةٍ، بل وثّق المرصد وجود أطفالٍ في معسكرات تدريبٍ فعليةٍ في شمال وشرق سوريا. وتكشف عناوين تقارير المرصد السابقة عن نمطٍ منهجيٍ:
- “استمراراً لانتهاكاتها بحق الطفولة.. الشبيبة الثورية تجند قاصراً بصفوفها في ريف حلب الشرقي”.
- “رغم جميع المطالبات بوقف تجنيد الأطفال.. الشبيبة الثورية تختطف طفلين من عين العرب كوباني”.
- “الشبيبة الثورية تواصل استقطاب الأطفال.. والمرصد يدعو الإدارة الذاتية إلى التدخل عاجلاً”.

الخلاصة: الحقيقةُ في مواجهةِ التصريح
اليوم، يجد مدير المرصد السوري نفسه في مواجهة ما نشره بنفسه وما وثقته مؤسسته على مدار أعوامٍ. إن هذا التباين الحاد بين “تحدي النفي” وبين “أرشيف التوثيق” يضع مصداقية التصريحات الإعلامية على المحك. وعندما تختلف رواية الشخص مع أرشيفه المثقل بالأسماء والتواريخ، تظل العودة إلى المصادر الأصلية هي السبيل الوحيد لإدراك الحقيقة الغائبة.

المصادر:
- مقابلة رامي عبد الرحمن مع برنامج “هاشتاغ”.
- منشورات وتقارير “المرصد السوري لحقوق الإنسان” (آذار/مارس 2022، كانون الأول/ديسمبر 2022، وتقارير استقطاب الأطفال في ريف حلب وعين العرب).