الادعاء الأخبار

الإعلام الإيراني: نحيبٌ على “أطلال الممانعة” وتضليلٌ يستهدف النسيج السوري

الإعلام الإيراني: نحيبٌ على “أطلال الممانعة” وتضليلٌ يستهدف النسيج السوري

بعد مرور عام على سقوط نظام الأسد، كيف يبدو المشهد في مرآة الإعلام الإيراني؟ كانت صحيفة “المشرق” في طليعة آلة التضليل؛ إذ أنتجت سلسلة تقارير وتحليلات بدت ومنذ الوهلة الأولى منسوجة من خيال كتابها، بعيداً عن الوقائع الميدانية المتغيرة.

ولعل أبرز ما بثته الصحيفة -التي تنشط من طهران وتؤدي دوراً رسمياً رغم تعريفها لنفسها كوكالة خاصة- تقريرٌ بعنوان “سوريا: فشل المشاريع“، أعده “سعد الله زارعي” نقلاً عن صحيفة “كيهان” المقربة من المرشد الإيراني علي خامنئي. وتؤكد مصادر متقاطعة أن “كيهان” تمثل الصوت المباشر للمرشد ونهجه التحريري، فيما يتقمص كاتب التقرير دور المدافع المستميت عن طهران ومشاريعها، مهاجماً الخصوم الدوليين وخصوصاً الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل، وممجداً لما يسميه “المشروع الفارسي” في المنطقة ولا سيما حزب الله اللبناني والعراق، في كتابات يغلب عليها طابع “النحيب” على الخسارة الإيرانية الفادحة في سوريا.

تقسيمٌ من وحي الخيال
استهل الكاتب تحليله المطول، المرتكز على أبعاد طائفية وعرقية، بادعاء أن سوريا مقسمة إلى ست مناطق نفوذ؛ زاعماً أن الحكومة السورية (التي وصفها بـ “تحرير الشام”) تسيطر فقط على دمشق وأجزاء من ريفها وحمص وحماة وإدلب، بنسبة لا تتجاوز 30% من مساحة البلاد.

لم يتوقف التزييف عند هذا الحد، بل أخضع الكاتب محافظات درعا والسويداء والقنيطرة للسيطرة الإسرائيلية، ووزع بقية الجغرافيا بين الولايات المتحدة وقوات سوريا الديمقراطية “قسد” وجماعات أخرى في الساحل السوري. ومن موقعه في طهران، حاول الكاتب تلفيق الأكاذيب لبرمجتها ضمن الأيديولوجيا الإيرانية، متجاهلاً الواقع الميداني الذي يثبت أن “قسد” تسيطر على أجزاء من الحسكة والرقة ودير الزور (وقت كتابة هذا التقرير)، بينما تعمل الحكومة السورية وفق خارطة طريق سياسية واتفاقات وطنية لاستعادة مؤسساتها في تلك المناطق، متجنبة الصدام العسكري المباشر لبناء أرضية صلبة للوحدة بين مكونات الشعب السوري.

كما أغفل الكاتب حقيقة الدعم الإيراني لـ “قسد” بأسلحة استراتيجية تُستخدم ضد الحكومة السورية، وهو ما وثقته صحيفة “يني شفق” التركية في تقارير منذ مطلع عام 2025، مما يكشف دور إيران الفاعل في محاولة ترسيخ واقع “تفتيت سوريا”.

نحيبٌ على تفكيك “المقاومة” المزعومة

صعّد الكاتب في تقريره ضد دول عربية، متهماً السعودية والإمارات وقطر بالتواطؤ مع إسرائيل والولايات المتحدة لدعم أطراف مناوئة للأسد بين عامي 2012 و2018 بهدف “تفكيك سوريا”، زاعماً أن ما وصفه بـ “محور المقاومة” كان السد المنيع أمام تلك المخططات.

بيد أن العودة إلى المصادر المفتوحة تكشف وجهاً مغايراً؛ فإيران خلال دعمها للنظام البائد خاضت حرباً ذات صبغة طائفية مقيتة، جندت فيها ميليشيات عابرة للحدود من أفغانستان والعراق وغيرها، أبرزها ميلشيات فاطميون وزينبيون والنجباء، التي عملت تحت لواء ميليشيا حزب الله والحرس الثوري الإيراني، وارتكبت جرائم حرب وانتهاكات موثقة شملت التهجير القسري والسيطرة على الأملاك ونشر المدارس الدينية، وذلك لحماية نظام الأسد من السقوط.

ويعود التدخل الإيراني رسمياً إلى عام 2012، حين أقر قائد وحدة مدفعية “فيلق القدس”، وهي الذراع الخارجية للحرس الثوري الإيراني، بأن المرشد الأعلى كلف “قاسم سليماني” بحماية نظام الأسد منذ اندلاع الحرب الأهلية السورية.

وفي عام 2022، قدم محامون حقوقيون طلبات للمحكمة الجنائية الدولية لبدء تحقيق في دور إيران وميليشياتها في ارتكاب جرائم حرب ضد الشعب السوري.

وبحسب ما ورد في الطلب، فإن طهران قدّمت دعماً عسكرياً وميدانياً مكثفاً لضمان بقاء نظام الأسد، محققة أهدافها الاستراتيجية على حساب مئات الآلاف من الضحايا والجرحى والنازحين من المدنيين السوريين. كما تضمن الملف وثائق وأدلة دامغة قدّمها لاجئون سوريون، تؤكد أن القوات التابعة لإيران -بما في ذلك “حزب الله” اللبناني، ولواء “فاطميون”، وميليشيا “أبو الفضل العباس”- مارست بحقهم التهجير القسري، وأجبرتهم على ترك منازلهم وعائلاتهم أثناء اقتحام المدن والبلدات، مع حرمانهم المطلق من العودة إليها.

خريطة نفوذ أذرع إيران في الجغرافيا السورية

حتى عام 2024، قُدر عدد مقاتلي هذه الميليشيات بنحو 65 ألفاً، 11 ألفاً منهم من الجنسية السوريةـ ونحو 18 ألفاً من الجنسيات العربية والآسيوية، ووفقاً لبيانات مركز “جسور” ومؤسسة “إنفورماجين” لتحليل البيانات، فإن الميليشيات التابعة لإيران بدأت انتشارها الممنهج في سوريا منذ عام 2012، وضمت تشكيلات عابرة للحدود وأخرى محلية تعمل تحت إشراف “الحرس الثوري الإيراني” و”فيلق القدس”. وتتوزع هذه القوى وفق الآتي:

أولاً: التشكيلات الإقليمية

  1. قوات “درع القلمون” و”درع الأمن العسكري”: تضطلع هاتان القوتان بمهمة استراتيجية تتمثل في استقطاب العسكريين الفارين من الخدمة وتجنيدهم لصالح الميليشيات العراقية والإيرانية.
  2. لواء الباقر: تشكيل عسكري يضم نحو 1700 مقاتل.
  3. لواء فاطميون: يتألف من مقاتلي “الأفغان الهزارة” الذين لجأوا إلى إيران؛ ويقدر عددهم بنحو 3 آلاف مقاتل يتمركزون بشكل أساسي في منطقة “السيدة زينب” جنوب دمشق.
  4. لواء زينبيون: يضم مقاتلين باكستانيين (غالبيتهم من البشتون)، ويبلغ تعدادهم نحو ألف مسلح ينتشرون في دمشق وضواحيها.
  5. حزب الله اللبناني: يعتمد استراتيجية “التحرك المرن” دون مواقع ثابتة، حيث يستخدم القطع العسكرية التابعة للجيش السوري لتنفيذ عملياته، بالإضافة إلى اتخاذه من منازل مدنية في منطقة “السيدة زينب” مقاراً مؤقتة وقابلة للتغيير.
  6. لواء صعدة (اليمني): تشكيل حوثي قوامه 750 مسلحاً، شارك في العمليات القتالية بجانب قوات النظام السوري البائد، جنوب وشرق دمشق قبل أن يعودوا إلى اليمن إثر اندلاع الحرب هناك.
  7. لواء القدس (الفلسطيني): مكون من الفلسطينيين المقيمين في سوريا (مخيم باب النيرب بحلب)، ويضم بين 2500 و3 آلاف مقاتل، ويمتلك معسكرات تدريب في مناطق “حندرات” و”الشيخ نجار” و”الملاح”.

ثانياً: الفصائل العراقية

  • كتائب حزب الله العراقي: أرسلت نحو 7 آلاف مقاتل إلى سوريا منذ عام 2013، وتعمل بالتنسيق المباشر مع حزب الله (الفرع السوري).
  • سرايا طلائع الخرساني: تأسست عام 1984 كجناح عسكري لـ “حزب الطليعة”، وتضم 5 آلاف عنصر موزعين بين العراق وسوريا.
  • حركة النجباء: تشكيل مدعوم بقوة من إيران، شارك في معارك ريف حلب ودمشق.
  • عصائب أهل الحق: تمتلك مقاراً عملياتية في ريف دمشق والبوكمال.
  • فيلق الوعد الصادق: يضم نحو ألفي عنصر ينتشرون بين العراق وسوريا، ويتخذ من ريف دمشق مقراً فرعياً له.
  • قوات محمد باقر الصدر: أُنيطت بها مهام مؤازرة عناصر الأمن العام ووزارة الداخلية التابعة للنظام البائد.
  • لواء الإمام الحسين: ينتشر في ريف دمشق وحلب تحت قيادة “أمجد البهادلي”.
  • لواء أبو الفضل العباس: تشكيل عراقي، تذبذب أعداد مقاتليه بسبب الانشقاقات المتكررة.
  • لواء ذو الفقار: تشكيل عراقي، شارك في معارك عدة في ريف دمشق.

ثالثاً: الميليشيات المحلية

تضم عشرات المجموعات السورية التي تأتمر مباشرة بأوامر إيرانية، وأبرزها:

  • كتيبة الغالبون.
  • كتيبة الزهراء: 350 مقاتلاً.
  • كتيبة شهيد المحراب: 500 مقاتلاً.
  • كتيبة العباس: 200 مقاتلاً.
  • كتائب الفوعة: 800 مقاتلاً.
  • ميليشيا “الإمام الرضا”: تضم خليطاً من السوريين واللبنانيين (نحو ألفي مسلح)، وتنتشر في ريف حمص الشرقي.

أغفل الكاتب “سعد الله زارعي” هذه التشكيلات التي غُذيت طائفياً لقتل السوريين وتهجيرهم لتدمير نسيجهم الاجتماعي، وارتكبت آلاف المجازر، تحت شعار استمرارية “محور المقاومة” الذي لم يكن سوى ستار لمشروع تدميري للمنطقة العربية وفرض السيطرة الإيرانية عليها.

رؤية استقصائية
يرى الباحث التاريخي والخبير في الشؤون الإيرانية، تركي المصطفى، أن السردية التي تروجها طهران حول كون “محور المقاومة” هو الحصن الذي منع تفكك سوريا، لا تصمد أمام الحقائق الميدانية. ويوضح المصطفى أن الواقع يكشف عن “مشروع طائفي” يلبس ثوب “المقاومة” ليخفي وراءه عملية إحلال وتفكيك ممنهجة للنسيج الوطني السوري.

ويتساءل المصطفى: “كيف يكون هذا المحور سداً منيعاً وهو الذي عمل، منذ لحظة تدخله، على تعميق الشرخ المجتمعي عبر عسكرة وتجييش ميليشيات على أساس هويات فرعية؟”. ويرى أن هذا النهج جعل الولاء للمذهب يتقدم على الولاء للوطن، وكرّس تقسيماً فعلياً عبر إقامة مناطق نفوذ تديرها ميليشيات وإدارات موازية، في تناقض صارخ مع شعارات “الوحدة الوطنية”. ويضيف أن التدخل الإيراني أفضى إلى تقويض السيادة الوطنية، محولاً سوريا إلى دولة تابعة ترتهن قراراتها المصيرية لإرادات خارجية.

ويخلص الباحث إلى أن “المقاومة” في المنظور الإيراني ليست غاية، بل هي وسيلة لتحقيق مشروع إمبراطوري يرتكز على أيديولوجيا طائفية صريحة في أدبياتها ودساتيرها، حيث يُعد “تصدير الثورة” هدفاً استراتيجياً يتم تنفيذه بأدوات المال والدعاية واختراق المجتمعات عبر استغلال القضايا القومية العادلة. ويشير المصطفى إلى أن النتائج جاءت معاكسة تماماً لمفهوم الوحدة، كما هو الحال في نماذج العراق واليمن ولبنان، حيث تحولت الدولة إلى كيانات شبه منفصلة.

ويختتم المصطفى بالقول: “إن سوريا، مهد أول أبجدية وأول شرعة قانون، لا يمكن أن يكون خلاصها في الاستسلام لمشروع طائفي مستورد؛ فقوتها التاريخية تكمن في تنوعها الموحد لا في انقسامها الطائفي. لذا، فإن الحل لا يُصنع في طهران بل في دمشق، عبر استعادة الهوية الوطنية الجامعة، وبناء دولة المواطنة المتساوية، وامتلاك الإرادة المستقلة؛ فمستقبل سوريا يكتبه أبناؤها، بعيداً عن عواصم الوصاية”.

التحريض على العنف

لم يخلُ التقرير المنشور في “كيهان” الإيرانية من تحريض علني للسوريين ضد حكومتهم الجديدة؛ إذ وصف دولة الإمارات بـ “الشريرة” لتعاونها في “تفكيك المحور”، زاعماً وجود خطر داهم يهدد المكونات (العلويين، السنة، الشيعة، الكرد، الدروز). ويرى ناشطون سياسيون أن هذا الخطاب يمثل انتهاكاً لسيادة الدول ومحاولة لضرب السلم الأهلي باستخدام “فلول النظام البائد” والمال السياسي.

وتُجرّم الشرعة الدولية لحقوق الإنسان التحريض على العنف بكافة أشكاله؛ حيث تنص المادة (20) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية صراحةً على حظر أي دعوة إلى الكراهية القومية أو العنصرية أو الدينية تشكل تحريضاً على التمييز أو العداوة أو العنف. وتُصنف هذه الأفعال كجرائم بموجب القانون الدولي، تعززها مواثيق أخرى كاتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها. ومع التأكيد على صون حرية التعبير، إلا أن هذا التحريم يهدف بالدرجة الأولى إلى منع تحول الخطاب إلى عنف فعلي ومباشر، وفقاً لما أوضحه الأمين العام للأمم المتحدة.

وتُعد اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية، التي اعتمدتها الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1948 في أعقاب فظائع الحرب العالمية الثانية، أول معاهدة دولية لحقوق الإنسان. وتؤكد نصوصها أن الإبادة الجماعية جريمة دولية يمكن وقوعها في زمن السلم أو الحرب على حد سواء، مما يُلزم الدول باتخاذ تدابير حازمة لمنعها ومعاقبة مرتكبيها.

وفي سياق المسؤولية الجنائية، يُحمّل نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية (1998) المسؤولية الفردية ويعاقب كل شخص “يحرض الآخرين بشكل مباشر وعلني على ارتكاب الإبادة الجماعية”، وذلك بموجب المادة (25) من النظام.

وفي هذا الصدد، شدد الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، في حزيران/يونيو 2019 على أن: “التصدي لخطاب الكراهية لا يعني تقييد حرية التعبير أو حظرها، بل يعني منع تصعيد هذا الخطاب لئلا يتحول إلى ما هو أكثر خطورة، لاسيما التحريض على التمييز والعداوة والعنف، وهو أمر محظور تماماً بموجب القانون الدولي”.

تضليلٌ ومعلومات مغلوطة

لم يتوقف الكاتب عند حدود التحريض على العنف، بل تجاوز ذلك إلى التوظيف الممنهج للمعلومات المضللة والادعاءات الزائفة لتشويه صورة الحكومة والشعب في سوريا، وذلك في أعقاب انتصار الثورة السورية وانكسار مشروع “محور المقاومة” بقيادة إيران؛ ذلك المشروع الذي استهدف زعزعة استقرار الدول العربية والإسلامية وفرض وصايته عليها تباعاً، قبل أن يشكل نجاح الثورة السورية صدمة استراتيجية للقائمين عليه.

كما ساق الكاتب مزاعم حول تعرض المكونات السورية —من علويين وسنة وشيعة وكرد ودروز— لانتهاكات مستمرة من قِبل الحكومة، دون أن يقدم أي حقائق أو وقائع تدعم هذه الفرضيات. وفي الوقت ذاته، كال الاتهامات لدول عربية بعينها بالتعاون مع إسرائيل لصناعة واقع إقليمي جديد، مفتقراً لأي دليل يسند ادعاءاته؛ الأمر الذي يضعنا أمام خطاب كراهية جليّ يرتكز على التضليل، ويستهدف ضرب وحدة المجتمع السوري وتقويض تلاحم نسيجه الاجتماعي.

ميثاق أممي لسلامة المعلومات

أكد الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، أن “المعلومات المغلوطة والمضللة تغذي العنف والانقسام”، وذلك في سياق إطلاقه للمبادئ العالمية لسلامة المعلومات. وخلال الكشف عن هذه المبادئ الرامية إلى تمكين الأفراد من المطالبة بحقوقهم، حذر غوتيريش من أن تفشي خطاب الكراهية والأكاذيب عبر الانترنت يلحق ضرراً جسيماً بالمنظومة العالمية.

وأوضح غوتيريش في كلمته التي ألقاها في صيف عام 2024، بمناسبة إطلاق المبادئ الخمسة الأساسية —وهي: الثقة المجتمعية والصمود، ووسائل الإعلام المستقلة والحرة والتعددية، والحوافز الصحية، والشفافية والبحث، وتمكين الجمهور— أن هذه المبادئ تستند إلى رؤية شاملة تهدف لبناء “نظام بيئي للمعلومات أكثر إنسانية”.

وأضاف الأمين العام أن هذه المعايير تدعو إلى خلق بيئة معلوماتية تدافع عن حقوق الإنسان وتضمن مستقبلاً مستداماً، مشيراً إلى أنها توفر أساساً متيناً لتحقيق التنمية المستدامة والشاملة، ودعم العمل المناخي، وترسيخ قيم الديمقراطية والسلام العالمي.