تاريخ النشر: 14 تشرين الثاني/نوفمبر 2025
في قضية تجمع بين وحشية جرائم الحرب ودهاليز الاستخبارات الدولية، يكشف هذا التحقيق تفاصيل مثيرة حول رحلة ضابطين سوريين من مراكز الاعتقال في الرقة إلى قلب أوروبا. إنها قصة خالد الحلبي ومصعب أبو ركبة؛ حيث تقاطعت دماء الضحايا مع حماية “الموساد” الإسرائيلي وتواطؤ ضباط أوروبيين.
ضابطان وذاكرة مثقلة بالدماء (2011–2013)

يسلط تحقيق استقصائي أجرته “نيويورك تايمز” في النمسا الضوء على الحقبة السوداء في مدينة الرقة بين عامي 2011 و2013. خلال تلك الفترة، برز اسمان ارتبطا بمنظومة القمع:
- خالد الحلبي: المشتبه به الأساسي في ارتكاب جرائم حرب واسعة النطاق.
- مصعب أبو ركبة: الضابط المسؤول بشكل مباشر عن عمليات التعذيب والاعتقالات التعسفية.
وتكشف الوثائق المنشورة، ومنها تقرير بعنوان “لائحة اتهام جرائم الحرب تكشف طريقاً وعراً للعدالة في سوريا”، عن تورط هؤلاء في انتهاكات جسيمة بعيداً عن أعين الرقابة الدولية آنذاك.
خالد الحلبي: العميل المزدوج والهروب الكبير
خالد الحلبي، البالغ من العمر 62 عاماً، والذي ينتمي للطائفة الدرزية وفق المصادر المتوفرة، لم يكن مجرد ضابط أمن عادي. كشف التحقيق عن هويته السرية كـ عميل مزدوج للموساد الإسرائيلي قبل فراره من سوريا.
محطات الهروب والاختفاء:
- عام 2013: فر الحلبي من مدينة الرقة متوجهاً إلى العاصمة الفرنسية باريس.
- عام 2015: اختفى الحلبي بشكل غامض قبل موعد فحص طلبات اللجوء الخاصة به من قبل السلطات الفرنسية.
- أظهرت الوثائق الرسمية حصوله على هويات مؤقتة بأسماء وصور واضحة لتسهيل تحركاته.
رعاية استخباراتية في قلب فيينا
لم يكن تنقل الحلبي عبر الحدود الأوروبية عملاً فردياً، بل تم بتنسيق رفيع المستوى. كشف التحقيق أن جهاز الموساد، وبالتعاون مع ضباط نمساويين، أمّنوا انتقال الحلبي وصولاً إلى فيينا. لم يقتصر الدعم على التأمين الأمني فحسب، بل شمل:
- تنسيق الإقامة وتأمين السكن المناسب له.
- دفع إيجار الشقة التي كان يقطن فيها من قبل “الموساد” وضباط محليين.
- مساعدته على تجنب أي ملاحقة قضائية أو تحقيق لأكثر من عقد من الزمن.


مصعب أبو ركبة: الجلاد الذي واجه ضحاياه في مخيم اللجوء

مصعب أبو ركبة، البالغ من العمر 53 عاماً، كان اليد الضاربة للنظام في الرقة. تشير الشهادات إلى أنه كان مسؤولاً عن:
- تعذيب الضحايا واستجوابهم لفترات طويلة وصلت إلى 28 يوماً من المعاناة المستمرة.
- محاولة تجنيد المعتقلين وإجبارهم على التخابر مع النظام مقابل إطلاق سراحهم.
وفي مفارقة صادمة، اعتقل أبو ركبة سابقاً المحامي أسعد موسى في سوريا، ليعود الأخير ويلتقي بجلاده وجهاً لوجه في أحد مخيمات اللاجئين بالنمسا عام 2015.
التحقيقات الأوروبية: هل اقتربت ساعة الحساب؟

بدأت السلطات الأوروبية في التحرك الفعلي؛ حيث وجهت النيابة العامة في فيينا لوائح اتهام رسمية ضد الحلبي وضباط آخرين متورطين.
تغطي التحقيقات الجارية قضايا التعذيب، الاعتقال غير القانوني، والمساعدة في الإخفاء القسري.
يُعد الحلبي حالياً أعلى مسؤول سوري يواجه اتهامات بجرائم حرب في أوروبا.
خضع خمسة ضباط نمساويين للمحاكمة بتهمة تسهيل لجوء الحلبي بطرق غير قانونية؛ تم تبرئة أربعة منهم لعدم كفاية الأدلة، بينما لا يزال الملف مفتوحاً.
معاناة لا تنتهي: صوت الضحايا

بالنسبة للضحايا الذين عاشوا سنوات من الجحيم، فإن وجود هؤلاء المجرمين في أوروبا يمثل طعنة ثانية. يؤكد المحامي أسعد موسى أن “دعم الموساد للحلبي زاد من ألم الضحايا”، مشيراً إلى التأثير النفسي العميق وفقدان الثقة بالسلطات الدولية التي وفرت الحماية للمجرمين بدلاً من الضحايا.
يبقى السؤال معلقاً حتى تاريخ اليوم: هل ستنجح العدالة الأوروبية في إنصاف الضحايا، أم أن موازين القوى الاستخباراتية ستظل هي الغالبة؟