في عالم تعصف به صراعات المعلومات، لم تعد الكلمة مجرد وسيلة لنقل الخبر، بل تحولت في كثير من الأحيان إلى سلاح لزعزعة الاستقرار وتزييف الوعي. يكشف هذا التحقيق الاستقصائي الآليات التي تتبعها منصة “ذا كرادل” (The Cradle) في صياغة روايات مضللة تستهدف الدولة السورية، معتمدة على شبكة من المصادر غير الموثوقة والحسابات التي تقتات على إثارة النعرات الطائفية والمجتمعية.
“ذا كرادل” تحت المجهر: عقيدة إعلامية أم أجندة موجهة؟
تطرح “ذا كرادل” نفسها كجريدة إلكترونية جيوسياسية متخصصة، وتركز في محتواها بشكل مكثف على ما يسمى محور “المقاومة والممانعة”. إلا أن التدقيق في أرشيفها يكشف عن سجل حافل بالتقارير المنحازة والمضللة، خاصة تلك الموجهة ضد الحكومة السورية.
وعند تتبع المرجعية المعلوماتية لهذه التقارير، نجد أن المصادر الأساسية التي تستند إليها هي “أرشيف العدالة السورية” التابع لما يسمى “المرصد الديمقراطي السوري”، وهي جهات تفتقر إلى الحياد المهني وتعمل ضمن سياق سياسي محدد مسبقاً، مما يضع علامات استفهام كبرى حول صدقية ما ينشر.

تقرير 9 تشرين الأول/أكتوبر: هندسة التضليل
في 9 تشرين الأول/أكتوبر 2025، نشرت “ذا كرادل” تقريراً مثيراً للجدل حمل اتهامات مباشرة لجهاز الأمن العام السوري بارتكاب عمليات قتل واختطاف. بالنظر في تفاصيل التقرير، يظهر جلياً اعتماده الكلي على “مصادر مجهولة” وحسابات مضللة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، دون تقديم أي دليل مادي أو وثيقة رسمية تسند هذه الادعاءات الخطيرة. التقرير الذي حمل عنوان “Syrian Alawites protest child abduction, sectarian murders” سعى بوضوح إلى تأجيج التوترات الطائفية عبر استغلال حوادث جنائية وتجييرها سياسياً.

حادثة الطفل محمد حيدر: الحقيقة التي غيبها التقرير
اتخذت المنصة من حادثة اختطاف الطفل محمد حيدر ذريعة لشن هجومها، حيث نسب التقرير الحادثة مباشرة للأمن العام السوري. لكن “كشاف” أجرى تحليلاً رقمياً دقيقاً وتتبعاً للمسار الزمني للواقعة، ليتبين أن عملية الاختطاف نفذها مجهولون لأهداف جنائية.
وبالعودة إلى السجلات الرسمية، يظهر منشور لوزارة الداخلية السورية بتاريخ 8 تشرين الأول/أكتوبر 2025، يؤكد أن قيادة الأمن الداخلي في محافظة اللاذقية تابعت القضية فور وقوعها أمام مدرسة “جمال داوود” باهتمام مباشر، وأوعزت للجهات المختصة بالتحرك الفوري لجمع المعلومات وكشف ملابسات الحادثة. ورغم هذا التحرك الرسمي العلني، تجاهل تقرير “ذا كرادل” هذه البيانات الموثقة، وفضل الاستمرار في رواية “الاختطاف الممنهج” لتضليل الرأي العام.

مقتل المعلمة ليال ضمّار: توظيف الموت في روايات مفبركة
لم تكن حادثة المعلمة ليال ضمّار بعيدة عن التزييف؛ فقد اتهم التقرير الأمن العام بالمسؤولية عن مقتلها دون تقديم أي شهود موثوقين. وفي هذا السياق، برز اسم الإعلامي “وحيد يزبك” كعنصر فاعل في نشر الروايات المفبركة بالتعاون مع “أرشيف العدالة السورية”.
الحقيقة الموثقة تخالف ما روج له التقرير؛ فقد أصدرت نقابة معلمي سوريا بياناً رسمياً في 8 تشرين الأول/أكتوبر 2025، نعت فيه الزميلة ليال التي قضت إثر جريمة اغتيال آثمة أمام مدرستها “وليد النجار” في حي جب الجندلي بحمص. وطالبت النقابة الجهات المختصة بسرعة التحقيق وتقديم الجناة للعدالة، مؤكدة على ضرورة حماية الكوادر التعليمية. هذا البيان الرسمي الذي يوضح طبيعة الحادثة كعمل إجرامي استهدف قطاع التعليم، تم تجاهله تماماً في تقرير “ذا كرادل” لصالح سردية تتهم الدولة.

التضليل العابر للأفراد: شبكات “وحيد يزبك”
يكشف التحقيق أن التضليل لا يتوقف عند المنصات، بل يمتد عبر أفراد وحسابات وهمية تعمل كأبواق للروايات الزائفة. ساهم وحيد يزبك بشكل فعال في ترويج أخبار مضللة عن أحداث داخل سوريا، مستخدماً حساباته الشخصية (مثل حسابه @WYazbk على منصة X) لبث معلومات ذات طابع طائفي تحريضي. في إحدى تدويناته، حاول الربط بين أحداث أمنية وجهات سياسية بطريقة استنتاجية تفتقر للدليل، واصفاً قوى أمنية بـ “عصابة منظمة”، وهو ما يتماهى تماماً مع الخطاب الذي تروج له “ذا كرادل”.

الخاتمة: حرب المعلومات والتدقيق الرقمي
إن ما قدمته “ذا كرادل” ليس عملاً صحفياً، بل هو جزء من “حرب معلومات” ممنهجة تعتمد على مصادر ضعيفة وأدلة منقوصة. لقد أغفل التقرير وبشكل متعمد جهود المؤسسات الحكومية في حماية المدنيين ومكافحة الجرائم، واختار بدلاً من ذلك إعادة توظيف المحتوى الجنائي لخدمة أجندات تشويه الصورة.

ويبقى السؤال الجوهري لكل متابع: ما الخطوة الأولى التي تتخذها قبل تصديق أي تقرير إعلامي؟ إن العودة للمصادر الرسمية، ومقارنة التواريخ، والبحث عن الأدلة المادية، هي خط الدفاع الأول ضد موجات التضليل الممنهجة.
