الادعاء الأخبار

حين تتحول الفكاهة إلى أداة تأثير: “هكذا تحدث الأشياء” في ميزان التحقيق

حين تتحول الفكاهة إلى أداة تأثير: “هكذا تحدث الأشياء” في ميزان التحقيق

تاريخ النشر: 21 تشرين الأول/أكتوبر 2025

في عالم الفضاء الرقمي، لم تعد النكتة مجرد وسيلة للترفيه، بل تحولت في أحيان كثيرة إلى سلاح ناعم لتمرير أجندات سياسية وتشكيل وعي المتابعين. يكشف هذا التحقيق الاستقصائي الذي أجرته منصة كشاف، خفايا صفحة “هكذا تحدث الأشياء | That’s How It’s Done”، التي تتخذ من السخرية غطاءً لبث التضليل السياسي وتمجيد النظام السوري البائد وتشويه ملامح الثورة السورية.

أولاً: الهوية الرقمية.. صفحة بلا ملامح واضحة

تُظهر بيانات التتبع والشفافية الرقمية أن هذه الصفحة ليست عفوية كما تبدو، بل هي مشروع رقمي مدروس:

  • تاريخ الظهور والانتشار: ظهرت الصفحة على منصة فيسبوك في منتصف عام 2022 (تحديداً في 29 حزيران/يونيو 2022)، ثم توسعت لتشمل منصة يوتيوب في 9 شباط/فبراير 2025.
  • القاعدة الجماهيرية: استطاعت الصفحة جذب أكثر من 130 ألف متابع يشاهدون مقاطعها بانتظام، مما يمنحها قدرة عالية على التأثير والانتشار.
  • المحتوى الموجه: خلف قناع الفكاهة، يتم تقديم محتوى “موجه بعناية” يهدف إلى غرس سرديات سياسية محددة في أذهان المتابعين.

ثانياً: استراتيجية التضليل.. خلط الترفيه بالسياسة

تعتمد الصفحة أسلوباً ساخراً يُخفي وراءه سردية سياسية واضحة، ترتكز على محورين أساسيين:

  • تمجيد النظام البائد: يظهر في محتوى الصفحة تمجيد متواصل لعائلة الأسد ونظامها السابق، ومحاولة إضفاء هالة من “الزمن الجميل” عليه.
  • فبركة الروايات: تنسب الصفحة تصريحات وروايات مفبركة لشخصيات سورية بارزة، مثل “أحمد الشارع” وبعض الوزراء، لتمرير رسائل تخدم أهدافها.
  • أمثلة مرصودة: نشرت الصفحة ادعاءات منسوبة لـ “حافظ الأسد” حول شروط السلام، وتصريحات كاذبة لوزير الدفاع السوري الجديد يزعم فيها تفوق الجيش الإقليمي.

ثالثاً: تشويه الثورة.. خطاب موجه وممنهج

لم يقتصر التضليل على التمجيد، بل امتد ليشمل هجوماً منسقاً يهدف لبناء صورة ذهنية مشوهة لدى المتابع:

  • استهداف المؤسسات الحالية: تشن الصفحة هجمات منظمة على الثورة السورية وعلى الحكومة الحالية.
  • العداء الإقليمي: تتبنى الصفحة خطاباً عدائياً ضد دول مثل تركيا وقطر بسبب دعمهما للثورة، عبر تكرار رسائل مشوهة.
  • أمثلة مرصودة: فبركة تصريحات للرئيس التركي أردوغان يصف فيها الإدارة السورية بالحليف الاستراتيجي، ونشر أقوال كاذبة منسوبة لأحمد الشارع حول تقسيم سوريا.

رابعاً: الفكاهة كسلاح تقني للتلاعب

استخدمت الصفحة أدوات تقنية متطورة لتعزيز تأثيرها التضليلي:

  • الدبلجة الساخرة: توظيف شخصيات كرتونية شهيرة (مثل بينكي وبرين) وتركيب أصواتها على مقاطع لشخصيات سياسية (مثل أحمد الشرع) للإيحاء بوجود مؤامرات “للسيطرة على العالم”.
  • التزييف الصوتي: استخدام مؤثرات صوتية وتزييف التصريحات لتبدو وكأنها “نكتة سياسية” مقبولة، مما يسهل تقبل المتابع للمعلومة المغلوطة.
  • التضخيم الرقمي: الاعتماد على حسابات داعمة لتضخيم انتشار هذه المقاطع وضمان وصولها لأكبر شريحة ممكنة.


خامساً: شبكة الترويج.. مَن يدير المشهد من خلف الستار؟

يكشف التتبع الجغرافي والتقني أن الصفحة ليست جهة مستقلة، بل هي جزء من شبكة أوسع:

  • مركز الإدارة: تدار الصفحة من الأردن وفق بيانات التتبع الرقمي.
  • الارتباطات المحلية: تروج للمحتوى صفحات محلية مرتبطة بـ “ميليشيا الهجري” وفلول النظام، مما يؤكد وحدة المصدر والسردية.
  • غياب الشفافية: تعاني الصفحة من انعدام الهوية البصرية الواحدة والشفافية، حيث تُعاد الرواية نفسها ببيانات وصيغ مختلفة لإخفاء الجهة الحقيقية الموجهة.

الخلاصة:

تطرح منصة كشاف سؤالاً جوهرياً على الجمهور: هل ما تراه مجرد “مزحة” عابرة؟ أم أنه جزء من حملة منظمة تسعى لإعادة تشكيل وعيك وتزييف تاريخك وحاضرك؟ إن السخرية عندما تفتقر للشفافية وتستهدف الحقيقة، تصبح سلاحاً في يد التضليل.

شاركنا رأيك: متى تصبح السخرية سلاحاً في وجه الحقيقة؟