خلال ساعات قليلة، تحولت رواية عن إطلاق نار غير مؤكد في دمشق ليلة 31 كانون الأول/ديسمبر 2025 إلى سردية مكتملة عن “انقلاب” و”اغتيال” و”حدث أمني استثنائي”، مع تداول واسع عبر حسابات شخصية وإخبارية ووسوم متعددة، رغم النفي الحكومي وشهادات من سكان العاصمة.
يوثق هذا التحقيق مسار الإشاعة: من الشرارة الأولى، إلى تضخيمها رقمياً، ثم اختلاق أحداث بلا أدلة، وصولاً إلى خلاصة واحدة: ما جرى كان نموذجاً واضحاً لكيف تُبنى الأخبار المضللة بسرعة، وكيف تتراجع معايير التثبت عندما تغذيها العاطفة والخوف والسبق.

في ليلة 31 كانون الأول/ديسمبر 2025، غزت منصات التواصل منشورات تتحدث عن “حدث أمني استثنائي” في دمشق، ثم اتسعت بسرعة لتصل إلى روايات عن “انقلاب” أو “اغتيال شخصية كبيرة”، مع إشارات مباشرة إلى الرئيس أحمد الشرع أو أحد المقربين منه. في المقابل، لم تتوافر قرائن علنية كافية تربط بين ما قيل وبين وقائع مثبتة، بينما استمرت بعض الحسابات في تطوير الرواية بإضافات جديدة ومبالغات متلاحقة.

بداية الموجة ارتبطت بما نقلته جهات إعلامية عن “إطلاق نار كثيف” قرب مواقع حساسة في دمشق، بينها محيط قصر الشعب ومنطقة المزة 86. وفي هذا السياق، أثار تصريح منسوب إلى “المرصد السوري لحقوق الإنسان” لصحيفة “النهار” اللبنانية أسئلة عن أسباب إطلاق النار في منطقة حساسة كهذه، وهو ما وفر “شرارة” جاهزة لقراءات سياسية سريعة، قبل اكتمال أي معلومات موثقة حول سبب إطلاق النار أو طبيعته.

لم تتوقف عملية التضخيم عند مجرد النقل عن مصدرين أو ثلاثة، بل دخلت حسابات إخبارية وشخصية على الخط، ودفعت السردية إلى فضاء أوسع باستخدام وسوم مثل:
#انقلاب #قصر_الشعب #اغتيال #المزة86
وأظهرت بيانات رصد التفاعل وصول الحملة إلى 16.8 مليون حساب، مع 66.9 ألف تفاعل، و302 إشارة. كما سجلت البيانات أن 76% من التعليقات المصنفة جاءت سلبية (165 تعليقاً)، مقابل 24% إيجابية (53 تعليقاً).
هذه المؤشرات توضح أن الانتشار لم يكن مجرد تداول عابر، بل موجة مشحونة انفعالياً لعبت فيها الوسوم دوراً مركزياً في رفع الظهور، حتى لدى مستخدمين لا يملكون أي صلة بالمصدر الأساسي للخبر.

مع اتساع التداول، بدأت بعض الحسابات في “تطوير” القصة بإضافة عناصر أخطر: الحديث عن اغتيال “مستشار للرئيس” أو سقوط ضحايا، دون نشر أي دليل أو وثيقة أو مصدر رسمي. من الأمثلة المتداولة في تلك الليلة منشورات لحساب يحمل اسم (EHM) على منصة إكس، تحدث عن “اغتيال مستشار الرئيس السوري” بالاستناد إلى زعم إطلاق نار كثيف في محيط قصر الشعب والمزة 86، دون تقديم ما يثبت ذلك.
هنا تظهر آلية التضليل جزئياً: خبر أولي ملتبس + منطقة حساسة + فراغ معلوماتي + حسابات “عاجل” = مساحة واسعة للاختلاق.

لاحقاً، نفيت الرئاسة السورية وقوع أي حدث أمني في العاصمة دمشق تلك الليلة. لكن اللافت أن النفي لم ينهِ الموجة لدى بعض الحسابات، بل واجهته بردود من قبيل “إنكار الحقائق لا يلغيها”، مع إعادة نشر “خبر” مرفق بصورة لقصر الشعب يوحي بحدوث اغتيال لشخصية كبيرة في دمشق. هذا الأسلوب لا يقدم معلومة جديدة، لكنه يحاول تحصين الإشاعة ضد التفنيد عبر نقل النقاش من “الدليل” إلى “التشكيك” في النفي.

على مستوى التداول، لم تقدم الحسابات المشاركة في الحملة تبريراً واضحاً أو مصدراً للمعلومات التي نسبت إلى “تلك الليلة”، رغم تكرار الادعاء بوقوع إطلاق نار. ومع استمرار غياب مصدر موثق يحدد ما الذي جرى بالضبط، بقيت الإشاعة تعمل وفق منطق: “مجرد تكرار القصة يكفي لتبدو حقيقية”.
أجاب التحقيق على الأسئلة التالية التي قد تخطر على بال الجمهور المتابع:
- كيف تحولت رواية إطلاق نار إلى “انقلاب”؟
لأن المعلومة الأولى كانت عامة وملتبسة، ومرفقة بمكان “حساس”، ما سمح بتأويلات سياسية جاهزة. ثم تولت الحسابات تضخيم التأويل إلى يقين مزعوم عبر تكرار العبارات ذاتها: انقلاب، اغتيال، قصر الشعب.
- ما دور الوسوم في صناعة الانطباع؟
الوسوم جمعت المنشورات المختلفة في مسار واحد، ورفعت الظهور خوارزمياً، فانتقلت الرواية من دوائر ضيقة إلى جمهور واسع، حتى لو كان المحتوى بلا مصدر.
- لماذا لم يوقف النفي الحكومي الإشاعة؟
لأن جزءاً من الحسابات تعامل مع النفي بوصفه “دليلاً على التستر”، لا بوصفه معلومة تحتاج إلى مقارنة ووزن. واستعيض عن الدليل بشعار: “إنكار الحقائق لا يلغيها”.
- ما المؤشر الأوضح على الاختلاق؟
ادعاء “اغتيال مستشار” أو “شخصية كبيرة” دون اسم موثق أو بيان رسمي أو تغطية موثوقة، مع الاكتفاء بصور عامة ومنشورات “عاجل.”
ما حدث ليلة 31/12/2025 يوضح كيف يمكن لإشاعة أن تنمو من خبر ملتبس عن إطلاق نار إلى رواية انقلاب واغتيال، عبر سلسلة من خطوات التضليل: اقتباس أولي غير مكتمل، ثم تضخيم بالوسوم، ثم اختلاق أحداث بلا أدلة، ثم مقاومة التفنيد عبر التشكيك في النفي. وفي مثل هذه الحالات، يصبح التثبت ضرورة ملحة: لا يكفي “الانتشار” ولا “كثرة الناقلين” لإثبات الخبر، كما لا تكفي الصور العامة لتأكيد وقائع خطيرة تمس الأمن والسياسة.
المصادر
- منشورات “المرصد السوري لحقوق الإنسان” المتداولة حول إطلاق نار قرب مواقع حساسة في دمشق. (رابط)
- خبر/منشورات صحيفة “النهار” اللبنانية المتعلقة بتصريح المرصد. (رابط)
- بيان/نفي الرئاسة السورية حول عدم وقوع حدث أمني في دمشق تلك الليلة. (رابط)
- منشورات حسابات منصة إكس التي روجت لادعاءات “الانقلاب” و”الاغتيال” مثل (EHM) وغيرها. (روابط)
- بيانات رصد التفاعل الخاصة بالحملة (الوصول 16.8 مليون، التفاعلات 66.9 ألف، وغيرها). (رابط/صورة توثيق)