في فضاء إعلامي يزدحم بالمعلومات المتسارعة، تصبح الثقة هي الثغرة التي ينفذ منها التضليل. يكشف هذا التحقيق الاستقصائي كيف وقعت منصات إخبارية ومتابعون في فخ “الكوميديا السوداء”، وكيف جرى استغلال فيديو ساخر لتزييف واقع المعالم الأثرية في سوريا وتوجيه اتهامات سياسية مبنية على أوهام رقمية.
رصد الإشاعة: معبد “حُدد” في مرمى الادعاءات
بدأت القصة حين رصد فريق “كشاف” تداولاً واسعاً لمقطع فيديو على صفحة تحمل اسم “نبض سوريا”، وهي صفحة ترفع شعار “صوت كل السوريين”. نشرت الصفحة الفيديو تحت عنوان عريض وصادم: “حكومة الشرع تُغلق معبد حُدد بعدما دمرته بالكامل”.
المقطع المصور، الذي بلغت مدته بضع ثوانٍ، أظهر لقطات من موقع أثري مع تعليق صوتي يوحي بحدوث تدمير وإغلاق قسري للمعبد، ومنع إقامة المراسيم الدينية فيه. هذا المحتوى لم يقف عند حدود الخبر، بل جرى تداوله كدليل قطعي على استهداف التراث الثقافي والديني في المنطقة.
وراء الكواليس: فخ الصحفي كاظم آل طوقان
مع بدء عملية التحقق وتتبع بيانات النشر الرقمي، توصل فريق “كشاف” إلى الخيط الأول؛ الفيديو لم يكن مادة إخبارية مسربة، بل نُشر أولاً عبر حساب الصحفي “كاظم آل طوقان”.
وفي تواصل مباشر معه لكشف الملابسات، فجر آل طوقان مفاجأة من العيار الثقيل، حيث أوضح أن المقطع يندرج تحت فئة “الكوميديا السوداء”. وأكد أن الهدف من إنتاجه ونشره كان محاكاة الأسلوب التضليلي الذي تتبعه “فلول النظام” في النشر دون تثبت، واصفاً العمل بأنه فخ متعمد لإيقاع غير المتحققين في شر أعمالهم وكشف ضحالة مصادرهم.
صفحة “نبض سوريا”: انتحال هوية وتضليل منظم
كشف تتبع فريق “كشاف” لمنشورات صفحة “نبض سوريا” أنها ليست مجرد صفحة إخبارية متعثرة، بل هي جزء من حملة تضليل منظمة تخفي هويتها الحقيقية.
ومن خلال التدقيق في البيانات التقنية للصفحة، تبين ما يلي:
- تاريخ التأسيس: أُنشئت هذه النسخة من الصفحة بتاريخ 16 كانون الثاني/يناير 2025، وهي فترة حديثة جداً مقارنة بالمنصات الإخبارية العريقة.
- انتحال الهوية: تبين أن الصفحة تعمدت استخدام اسم وشعار قناة معارضة معروفة تأسست منذ سنوات طويلة (تحديداً في 05 كانون الثاني/يناير 2016) لاكتساب مصداقية زائفة واستغلال ثقة الجمهور بالاسم القديم.
- المحتوى: رصد الفريق عدة منشورات ثبت بالدليل أنها مضللة وغير دقيقة، تهدف بشكل أساسي لمهاجمة الحكومة وبث تقارير ملفقة.

نهاية المسرحية: معبد “حُدد” والحقيقة المكشوفة
أما عن الجانب الميداني والأثري، فقد أثبت التحقيق أن الادعاء بتدمير معبد “حُدد” (إله العاصفة) لا أساس له من الصحة. والحقيقة هي:
- المعبد مغلق منذ زمن طويل، ولكن لأسباب تقنية بحتة تتعلق بحماية الموقع الأثري وضمان سلامته.
- تُغطى التماثيل والقطع الأثرية داخل الموقع بالرمل والأكياس بأسلوب علمي متبع عالمياً، وذلك للحفاظ عليها من عوامل الطقس والتعرية.
- يخضع الموقع لإشراف دوري، حيث تقوم منظمة أوروبية مختصة بالآثار بزيارات سنوية منتظمة لتفقد الموقع وإجراء عمليات الصيانة اللازمة للقطع الأثرية.

الخاتمة: التحقق قبل السقوط في الفخ
إن قصة معبد “حُدد” وصفحة “نبض سوريا” هي نموذج حي لما يسمى “الفخ الإعلامي”. فبينما كان الفيديو يهدف للسخرية، تلقفته منصات مضللة وحولته إلى سلاح سياسي. إن الخطوة الأولى دائماً لحماية الوعي هي التساؤل عن مصدر الخبر وتاريخ إنشاء المنصات التي تبثه، قبل أن نجد أنفسنا جزءاً من مسرحية تضليل كبرى.
