الادعاء الأخبار

تهريب المخدرات: حين يُبرئ التضليلُ الرقمي الجناة الحقيقيين

تهريب المخدرات: حين يُبرئ التضليلُ الرقمي الجناة الحقيقيين

تتبع فريق “كشاف” مئات التغريدات والمنشورات والأخبار المنشورة عبر عشرات الصفحات والحسابات والمواقع الإلكترونية، والتي تلاقت جميعها عند رواية واحدة خلال فترة زمنية وجيزة (من 10 كانون الأول/ديسمبر 2025 إلى 2 كانون الثاني/يناير 2026). تخلص هذه الرواية إلى اتهام عشائر السويداء بالضلوع في عمليات تهريب المخدرات إلى الأردن، والادعاء بأن حرس الحدود الأردني ألقى القبض على المهربين.

انتشر الخبر المذكور بسرعة فائقة عبر شبكة حسابات بدأت نشاطها على منصة “X”، ثم انتقلت إلى “فيسبوك” و”إنستغرام” بوتيرة متناغمة بين حسابات تديرها المجموعة ذاتها من الأشخاص والمحيط المتفاعل معهم؛ بيد أن موقع “فيسبوك” شهد النشاط الأكبر في نشر الخبر وربطه بأحداث مشابهة.

فهل الخبر صحيح من حيث المضمون والتوقيت؟ ولماذا انتشر عبر حسابات معينة في فترة زمنية موحدة؟ وكيف تترابط تلك الحسابات عبر المنصات والمواقع المختلفة؟

عمل فريق “كشاف” على تحليل أنباء اعتقال حرس الحدود الأردني لأشخاص من عشائر السويداء، والتي تم تداولها عبر مواقع التواصل الاجتماعي في الفترة الممتدة بين 30 كانون الأول/ديسمبر 2025 و2 كانون الثاني/يناير 2026.

استخدم الفريق أدوات التحليل والتقصي الزماني والمكاني على منصة “X”، بالتزامن مع استخدام آليات تجزئة الفيديوهات والصور المرفقة بالخبر على “فيسبوك”، وإخضاعها لعمليات فلترة وبحث عكسي بالاستعانة بتقنيات الذكاء الاصطناعي، وعدسة غوغل، وأدوات التتبع الذكية. بالإضافة إلى ذلك، تم اللجوء إلى برامج تحليل الشبكات لرصد هوية ناشري الخبر والجمهور المحيط بهم، وفرز الحسابات التي يديرها أشخاص حقيقيون عن تلك التي تعمل بواسطة “البوتات” والذكاء الاصطناعي.

لم يغفل فريق “كشاف” الاستعانة بالعامل البشري والعودة إلى أحداث مشابهة خلال السنوات الماضية، عبر عرض الفيديوهات والصور على نشطاء وصحفيين متابعين للميدان على الحدود السورية الأردنية، والحصول على شهاداتهم حول المحتوى المتداول.

توصل الفريق من خلال المعطيات أعلاه، وبعد ساعات طويلة من العمل المتواصل، إلى أن الخبر تم بثه من قبل شخصيات وصفحات مناهضة للحكومة السورية، ولها سجل طويل في نشر الأخبار الزائفة والمضللة بهدف إثارة الفتنة بين مكونات الشعب السوري من جهة، وإلصاق التهم بالحكومة السورية من جهة أخرى، وذلك عبر شبكة مغردين تحيط بهم هالة من الحسابات الوهمية التي تعمل بالذكاء الاصطناعي لتوسيع نطاق الانتشار.

يدور خبر اعتقال حرس الحدود الأردني لمهربين من العشائر العربية في السويداء ضمن فلك “الاتهام العلني” الذي تبنته الحسابات والمنشورات ضد بدو السويداء، محملة إياهم المسؤولية عن عمليات تهريب المخدرات من سوريا إلى الأردن. وبحسب تلك الحسابات، فإن “الحقيقة” هي أن المهربين ينتمون لعشائر عربية بدوية وليسوا من الدروز، خلافاً لما تروجه القنوات والإعلام الموالي للحكومة السورية.

تتطابق التغريدات على منصة “X” حول سردية واحدة، وتتداول ذات الصور ومقاطع الفيديو التي تتهم البدو بعمليات التهريب، واصفة إياهم بأوصاف غير أخلاقية. ويعود تاريخ أول تغريدة عن الخبر إلى حساب يدعى “بنت الجبل“، يمتلك حساباً مماثلاً باسم “بنت الأسد“، وكلاهما أُنشئ في عام 2015، وحصلا على إشارة التحقق الزرقاء منذ نيسان/أبريل 2025، أي بعد أحداث الساحل السوري بشهر واحد.

وبتحليل حيثيات الحساب وزمن تسجيله، وتغيير اسمه ثلاث مرات متتالية، وتوثيقه في نيسان/أبريل 2025، يبدو أن الحساب قد تم شراؤه من قبل المستخدم الحالي بالتزامن مع أحداث الساحل السوري في آذار/مارس 2025، ليتحول إلى حساب تحريضي من الدرجة الأولى ينشر محتوى زائداً وعنصرياً يطال مكونات الشعب السوري.

يرتبط حسابا “بنت الأسد” و”بنت الجبل” بشكل وثيق بحساب “المرصد الديمقراطي السوري“، الذي يعمل بدوره على بث أخبار مضللة، وكان له دور كبير في التحريض ضد قوات الأمن خلال أحداث الساحل السوري. وعبر عمليات البحث المتقدم، تم تفكيك شبكة المتفاعلين مع هذه الحسابات، حيث تبين أن غالبية الجمهور هم من الأشخاص الذين يدعون لتدخل إسرائيلي في سوريا ويضعون شعارات وعلم إسرائيل على حساباتهم، بالإضافة إلى حسابات تستهزئ بالإسلام وأخرى ممولة تعمل بالذكاء الاصطناعي.

بعد يومين من نشر حساب “بنت الجبل” لخبر اعتقال مهربي المخدرات من البدو، قام المدعو “ماهر شرف الدين” بالتغريد عبر منصة “X”، زاعماً أن جميع مهربي “الكبتاغون” الذين قبض عليهم حرس الحدود الأردني هم من “بدو السويداء”، وأنه لا يوجد بينهم درزي واحد. وجه شرف الدين حديثه لقناتي “العربية” و”الجزيرة”، مدعياً أن كل شبكات التهريب هي شبكات بدوية، واتهم القنوات بالتضليل والكذب.

استبق شرف الدين تغريدته بأخرى يمتدح فيها المدعو “غزال غزال”، المحرض على العنف في الساحل السوري، واصفاً إياه بـ “الطريق والقيادة الجديدة”. ولم يكن خبر مهربي المخدرات الوحيد ضمن سلسلة الأخبار المضللة التي نشرها، بل سبقه بعشرات التغريدات الزائفة، منها ادعاؤه صدور بيان من مشايخ، بينهم الدكتور محمد راتب النابلسي، يعلنون فيه تضامنهم مع دعوات “غزال غزال”.

يعتمد ماهر شرف الدين في منصة “X” على حسابات يديرها “ذباب إلكتروني” مأجور وأخرى تعمل بالذكاء الاصطناعي، مهمتها إعادة التغريد والتفاعل المكثف. وبحسب تحليل الشبكات الذي أجراه فريق “كشاف” لأكثر من 145 تغريدة من حسابه، لم يكتفِ شرف الدين بمنصة “X”، بل أعاد نشر خبر مهربي المخدرات على “فيسبوك” عبر حسابه الذي يقيد فيه خاصية التعليق لتقتصر على جمهور محدد، حيث تحمل معظم التعليقات طابعاً مناطقياً وطائفياً يحرض على العنف.

بعد يوم واحد من منشور التهريب، نشر شرف الدين صورة على “فيسبوك” لتقرير نقلته قناة “العربية” عن شبكة “السويداء 24″، يوثق عمليات نهب للمؤسسات الحكومية في السويداء من قبل ما يعرف بـ “قوات الحرس الوطني” المدعومة من ميليشيا “الهجري”. وعلق شرف الدين مدعياً أن التقرير يستهدف السويداء ويسعى لـ “شيطنة المحافظة”، رغم أن التقرير سمى الفاعلين بوضوح وبشكل محدد.

رصد فريق “كشاف” 3842 تغريدة مرتبطة بخبر قبض حرس الحدود الأردني على مهربي المخدرات بالتزامن مع 735 منشوراً على “فيسبوك” حول ذات الموضوع.

ويفضي برنامج تحليل الحسابات إلى وجود تفاعل غير مسبوق على منشورات “بنت الجبل” وماهر شرف الدين تصل إلى مئات التفاعلات وإعادة النشر، حيث تبين أن غالبية هذه التفاعلات مدفوعة بحسابات مولدة آلياً بالذكاء الاصطناعي تعمل على تضخيم ونشر الموضوعات في العالم الافتراضي.

هل قالت “العربية” و”الجزيرة” وإعلام الحكومة إن المهربين “دروز”؟

تتبع فريق الاستخبارات مفتوحة المصدر (OSINT) في “كشاف” نشرات الأخبار والأخبار العاجلة في قناتي “العربية” و”الجزيرة”، والوكالة السورية للأنباء “سانا”، وصحيفتي “الثورة” و”الإخبارية السورية” خلال الفترة من 10 كانون الأول/ديسمبر 2025 إلى 2 كانون الثاني/يناير 2026.

وبعد فلترة جميع الأخبار المتعلقة بضبط عمليات التهريب، تبين أن أي من القنوات أو الوكالات المذكورة لم تأتِ على ذكر كلمة “دروز” أو تصف الأشخاص بانتمائهم الديني أو العرقي. وفي إحدى نشراتها بتاريخ 18 كانون الأول/ديسمبر 2025، قالت قناة “العربية” إن “فصائل مسلحة بالسويداء” تعمل على تهريب السلاح والمخدرات من المحافظة باتجاه الأردن، دون أي تخصيص عرقي.

المصدر: https://www.facebook.com/watch/?v=25412531571738866

المصدر: https://www.instagram.com/p/DS7i7R9j4Kq/

المصدر: https://www.instagram.com/reels/DTC0MhfDo4b/

من خلال عملية تحليل وبحث دقيقة، تبين أن خبر إلقاء حرس الحدود الأردني القبض على مهربي مخدرات من “عشائر البدو” في السويداء هو خبر مضلل؛ إذ عمدت الحسابات المنخرطة في الحملة إلى تزويد الخبر بصور وفيديوهات جميعها تعود لفترات زمنية سابقة.

من بين هذه المواد، صور بثتُها الجمارك الأردنية عبر حسابها الرسمي في 6 كانون الثاني/يناير 2024، إلا أن حساب “بنت الجبل” أعاد استخدامها مع خبر مفبرك مدعياً أنها حديثة.

أما مقطع الفيديو الذي أرفقه ماهر شرف الدين عن خبر اعتقال الأمن الأردني لمهربي المخدرات من بدو السويداء، فيعود تاريخه الأصلي إلى شهر آذار/مارس 2022. وعمد شرف الدين إلى اجتزاء الفيديو وإعادة نشره قبل أيام على حساباته، مرفقاً بمعلومات كاذبة حول اعتقال مهربين من البدو.

نقلت الميليشيات الموالية لنظام الأسد البائد نشاطها في تصنيع وتهريب المخدرات إلى مناطق سيطرة ميليشيا “الحرس الوطني” في السويداء. وأعلنت قوات حرس الحدود الأردنية إحباطها المستمر لعمليات تهريب باستخدام تقنيات متطورة كالدرونز والمناطيد. وكان الجيش الأردني قد شن في 24 و25 كانون الأول/ديسمبر 2025 غارات استهدفت شبكات التهريب ومزارع التخزين في ريف السويداء الجنوبي والشرقي، وهو ما أكدته “الإخبارية السورية” والبيانات الرسمية للجيش الأردني.

حيث أفادت قناة “الإخبارية السورية” الرسمية عبر منصة “تلغرام”، بأن الجيش الأردني استهدف بغارات جوية “شبكات لتهريب المخدرات ومزارع لتخزينها في ريفي السويداء الجنوبي والشرقي”. ومن جانبه، أعلن الجيش الأردني في بيان رسمي استهداف “عدداً من المصانع والمعامل التي يتخذها تجار أسلحة ومخدرات أوكاراً لانطلاق عملياتهم تجاه الأراضي الأردنية”، لافتاً إلى أن ذلك تم بالتنسيق مع الشركاء الإقليميين.

وفي سياق متصل، أكد مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة (UNODC) أن التصنيع الواسع للكبتاغون في سوريا قد تم تعطيله بشكل كبير بعد عام من سقوط النظام السابق، مشيداً بجهود سوريا ودول المنطقة. ونقل مركز أنباء الأمم المتحدة عن المكتب الأممي أن الحكومة السورية فككت 15 منشأة تصنيع و13 منشأة تخزين منذ كانون الأول/ديسمبر 2024، مرجحاً أن الإنتاج في عهد النظام البائد كان يصل إلى ملايين الأقراص يومياً.

عمدت مئات الحسابات إلى نشر أخبار مضللة حول هوية مهربي المخدرات، وذلك عقب ضربات جوية نفذها سلاح الجو الأردني استهدفت مخازن وتجار مخدرات في السويداء مرتبطة بشكل وثيق بميليشيا “الحرس الوطني”، الممولة بالكامل من المدعو “حكمت الهجري” الذي يتلقى دعماً مباشراً من إسرائيل، بحسب تحقيق نشرته صحيفة “واشنطن بوست”.

سعى ماهر شرف الدين وحسابات أخرى ضمن حملة مركزة لتشويه صورة مكون أصيل من مكونات السويداء، في هجوم صريح مبني على أسس مناطقية وعرقية، عبر استخدام مصطلحات “البدو” و”الدروز” لإيجاد شرخ مجتمعي. كما تحاول هذه الحسابات إلصاق تهمة التجارة والتصنيع بمكونات بعيدة عن ميليشيا “الحرس الوطني” لتشتيت جهود مكافحة المخدرات الأردنية والسورية عن المصنع الرئيسي، وحماية مراكز الإنتاج عبر جعل أبناء مكون كامل عرضة للاستهداف، في صورة جلية لتضليل العدالة.