الادعاء الأخبار

بواجهة إنسانية.. منظمات تجمع الأموال باسم “العلويين في سوريا”

بواجهة إنسانية.. منظمات تجمع الأموال باسم “العلويين في سوريا”

“يلي قوصو ع الناس وقطعوا الطرقات هربوا مثل الجرادين ونحن بس يلي تضررنا” (الذين أطلقوا النار على الناس وقطعوا الطرقات هربوا كالفئران، ونحن وحدنا من تضرر)، بهذه الكلمات علّق “إيد حمدان” على منشور لمنظمة تدعى “رابطة العلويين السوريين في أوروبا”، والتي تنشط في جمع التبرعات بزعم مساعدة المتضررين من أحداث الساحل السوري.

وزعت المنظمة عدداً من السلال الغذائية في منطقة سهل الغاب بريف حماة الغربي، وأنتجت مقطع فيديو وثق عملية التوزيع وروجت له على نطاق واسع، كجزء من سلسلة أنشطة نفذتها عقب أحداث الساحل السوري، بالتزامن مع نشاط حقوقي هجومي ضد الدولة السورية. وفي الوقت الذي تدعو فيه المنظمة لحملات تبرع دولية في أوروبا والعالم متخذة من الأحداث ذريعة لجمع الأموال، تبرز تساؤلات ملحة: من هي هذه المنظمة؟ وما أهدافها الحقيقية؟ ومن يديرها ويستفيد من نشاطها؟

عمل فريق التقصي في “وحدة الإعلام الرقمي” على تتبع منشورات صفحة “رابطة العلويين السوريين في أوروبا” في الفترة ما بين آذار/مارس وتشرين الأول/أكتوبر 2025. وحلل الفريق عشرات المنشورات والتعليقات عبر الصفحة التي تغير اسمها عدة مرات، وانطلقت قبل أحداث الساحل بأيام قليلة.

تبين أن الصفحة يديرها 6 أشخاص يقيمون في ألمانيا، وتعتمد أسلوب الخلط بين المحتوى الحقوقي (وفق ادعائها) والمحتوى الإنساني وحملات الدعم المالي، حيث توظف العواطف لجمع التبرعات بالارتكاز على إحصائيات وأرقام وبيانات مغلوطة. كما رصد الفريق توزيع مساعدات في مناطق ساحلية وفي سهل الغاب عبر فرق أخفى بعض أعضائها وجوههم وهوياتهم بشكل مريب.

اعتمد فريق التقصي في إنتاج هذا التحقيق على شهادات ميدانية من المناطق المستهدفة، ومقاطعتها مع تحليل بياني ورقمي لمنشورات المنظمة، بالإضافة إلى بيانات رسمية من الحكومة السورية ومعلومات من المصادر المفتوحة.

الغاب شملت توزيع 136 سلة غذائية، و480 عبوة مياه، و80 ربطة خبز. والملاحظ أنه أثناء التوزيع لم تظهر وجوه العاملين لصالح الرابطة، فيما ظهر فريق آخر يعمل كمنفذ ميداني يُعرف باسم “ميدلايف” (MedLife).

يعود تشكيل فريق “ميدلايف” إلى عام 2023، ويتخذ من مدينة طرطوس مقراً له، وقد انطلق كمبادرة طبية تضم أطباء وممرضين قبل أن يتحول للعمل الإغاثي في صيف عام 2025 بالشراكة مع الرابطة. والجدير بالذكر أن “ميدلايف” حاصلة على ترخيص كـ “مؤسسة طبية خيرية تطوعية”، مقرها محافظة طرطوس، ويشمل نشاطها كافة أراضي الجمهورية العربية السورية، بقرار رسمي رقم /1899/ صادر عن وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل السورية.

اقتصر ظهور شعار “رابطة العلويين السوريين في أوروبا” على أكياس المساعدات والخبز، دون أن يرتدي أي متطوع زيّاً يحمل شعار المنظمة، كما لم يُعرف المنفذون عن أنفسهم بصفتهم تابعين للرابطة أثناء التسليم، رغم وجود شعارها الصريح على المواد الموزعة.

في 26 أيلول/سبتمبر 2025، أعلنت الرابطة على صفحتها على “فيسبوك” عن دعم توزيع سلال غذائية ومبالغ مالية (غير محددة القيمة) لمتضرري الحرائق في سهل الغاب بالتعاون مع “ميدلايف” وشركاء آخرين. وفي 4 تموز/يوليو 2025، وزع فريق “ميدلايف” مبالغ مالية بقيمة 250 ألف ليرة سورية (نحو 25 دولاراً) على 124 عائلة في ريف اللاذقية، وصرح أحد الأعضاء علانية بأن المساعدة مقدمة من “رابطة العلويين السوريين في أوروبا”.

استغلت الرابطة حوادث الحرائق وأحداث الساحل لإطلاق حملات تبرع في أوروبا دون توضيح أوجه صرفها. وزعمت في منشوراتها أنها تسعى لتأمين الغذاء والماء والدواء والمأوى، بالإضافة إلى برامج دعم نفسي للأرامل والأطفال ومنح للطلاب، في إيحاء بأن تلك المناطق محاصرة أو محرومة من الخدمات الأساسية.

بعد نحو 8 أشهر من أحداث الساحل، أطلقت الرابطة “نداء استغاثة” لجمع التبرعات لسكان محافظات الساحل وحمص وحماة، في وقت تتوفر فيه عشرات المراكز الصحية والمشافي المدعومة حكومياً في تلك المناطق. وتظهر الرسوم البيانية توزعاً كثيفاً للمراكز الصحية والمشافي العامة والخاصة في الوسط والساحل السوري.

ادعت الرابطة عبر بياناتها الأرقام التالية:

  • إعدام أكثر من 1,800 شخص بدم بارد.
  • احتراق أكثر من 3,000 منزل بالكامل.
  • فقدان أكثر من 300,000 إنسان لمصدر رزقهم.
  • يتم أكثر من 1,200 طفل دون مأوى أو سند.

وبالمقارنة، أفادت “اللجنة الوطنية لتقصي الحقائق” بأن عدد القتلى في أحداث الساحل (آذار/مارس 2025) وصل إلى 1,426 قتيلاً، بينهم 90 سيدة. فيما أشار تقرير اللجنة الأممية الخاصة بسوريا إلى مقتل حوالي 1,400 شخص، معظمهم من المدنيين (بينهم 100 امرأة ومسن ومعاق). كما بلغ عدد المنازل والمتاجر المتضررة 480 منزلاً ومتجراً فقط وفقاً للجنة الوطنية المستقلة، وهو ما يفند أرقام الرابطة المبالغ فيها. أما بخصوص “الـ 300 ألف مفصول من عملهم”، فلم توضح الرابطة الجهات التي فصلتهم أو تقدم أي بيانات تدعم هذا الادعاء، مما يضعها في خانة التضليل المتعمد.

رغم أن الحرائق اجتاحت ريف حماة الغربي بشكل شبه كامل (بلدات جورين، شطحة، عناب)، إلا أن عمل الرابطة اقتصر على القرى والبلدات ذات التركيبة “العلوية” وفق بياناتها المتتالية، وشمل قرى لم تتأثر أصلاً بالحرائق. أثار هذا التوزيع الانتقائي حفيظة السوريين، حيث اعتبر معلقون أن عمل الرابطة يقوم على استثناء المناطق المتضررة بناءً على التوجه الديني.

لجأت الرابطة إلى استغلال الأطفال في حملات التبرع، حيث نشرت مناشدات وصوراً لأطفال من الداخل السوري بزعم تأمين الحليب والغذاء، دون الحصول على إذن رسمي من أولياء الأمور (خاصة وأنها تدعي أنهم بلا معيل)، وهو ما يعد خرقاً صريحاً لقانون حماية الطفل والشرائع الدولية.كما ادعت الرابطة كفالة 331 طفلاً يتيماً، ودعت لكفالة 827 آخرين في طرطوس واللاذقية وحماة وحمص، ممن فقدوا أهاليهم جراء أحداث الساحل السوري وأنها تعمل على تحويل الكفالات إلى الداخل. وزعمت أن محافظة حمص هي الأقل استفادة بسبب “صعوبات التحويل”، مما يثبت أن عمليات نقل الأموال تتم بطرق غير شرعية وغير معتمدة رسمياً في سوريا.

وبحسب ما تنشره رابطة العلويين السوريين في أوروبا على صفحتها على “فيسبوك” فإن غالبية أعمالها تتم بشكل سري دون ظهور علني لفريقها، باستثناء الشعارات الملصقة على الأكياس، مما يطرح تساؤلاً مشروعاً حول ضرورة لجوء الرابطة إلى هذا النهج السري. وحول هذا النهج، يقول الناشط الإنساني طارق الأحمد: ” إن المنظمات والجمعيات العاملة داخل سوريا أو في أي بلد يجب أن تعمل بصورتها الحقيقية حتى تكسب شرعية على الأرض وبين الداعمين إضافة إلى أن المنظمات تحتاج منظمات أخرى تكون رقيبة على عملها فيما يسمى مراقبة وتقييم حيث ترفع المنظمة الرقيبة تقارير دورية للداعمين عن عمل المنظمة التي توزع المساعدات وآلية التوزيع وخطة العمل مما يعكس شفافية في العمل”.

وأضاف الأحمد “إن كل منظمة تعمل في الظل ويكون توثيقها سريع ومخفي أحياناً ولا يكون عليها رقابة فهي مما لا شك فيه تعمل على سرقة التبرعات التي تصل إليها وتتلاعب بأسماء المستحقين ولا تملك أدنى مستويات العمل الصادق إضافة إلى انها تعطي فرصة للعاملين على الأرض بالسرقة والتلاعب بالمساعدات والتبرعات حسب مصلحتهم”.تواصل فريق التقصي مع وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل السورية، حيث أكدت الأستاذة رولا الأغبر، مديرة المنظمات غير الحكومية في الوزارة، أن “رابطة العلويين السوريين في أوروبا” غير مرخصة للعمل في سوريا.

استناداً إلى قواعد القانون الدولي الإنساني والمبادئ الأساسية للصليب الأحمر الدولي، يُحظر على المنظمات الإنسانية الانخراط في تأجيج الصراعات؛ إذ يتنافى ذلك مع جوهر رسالتها القائمة على حماية الأرواح وتقديم العون دون تحيز، لا المساهمة في تفاقم الأزمات. كما يتعارض هذا السلوك مع ميثاق الأمم المتحدة الذي يُكرس مبدأ سيادة الدول وعدم التدخل، مما يضع أي منظمة تنتهج هذا المسار في موقف يهدد أهليتها القانونية والاعتبارية.

وبإسقاط هذه المعايير على أنشطة “رابطة العلويين السوريين في أوروبا”، خلص تحليل فريق التقصي إلى أن الرابطة تجاوزت حدود العمل الإغاثي، وعمدت إلى بناء سرديات إخبارية وحملات تبرع استندت إلى معلومات مضللة تارة ومغلوطة تارة أخرى. ولم يقتصر الأمر على ذلك، بل امتد لمهاجمة الحكومة السورية واتهامها بارتكاب انتهاكات منهجية وسياسات إفقار وحرمان بحق طائفة بعينها، وهو ما فنده هذا التحقيق بالأرقام والبيانات الموثقة التي أثبتت زيف تلك الادعاءات.علاوة على ذلك، استغلت الرابطة أحداثاً أمنية محددة، مثل تفجير كنيسة مار إلياس بدمشق وأحداث السويداء، كغطاء لإطلاق حملات تبرع وكفالة لـ “أبناء الضحايا” وفق زعمها، في حين لم تقدم أي توضيحات لاحقة حول مصير تلك الأموال أو آليات صرفها الحقيقية.

خلص فريق التقصي إلى أن “رابطة العلويين السوريين في أوروبا” تنشط من مدينة برلين الألمانية، ولا تملك سوى صفحة على “فيسبوك” لنشر نشاطاتها. ويشكل عملها السري في الداخل عثرة أمام السلم الأهلي لأنها تستهدف مكوناً واحداً، وتبني حملاتها على اتهام أطراف وصفتهم بـ “التكفيريين” في أحداث السويداء وتفجير الكنيسة.

إن عملها في الخفاء واعتمادها على بيانات مغلوطة لجمع الأموال مع إرسال مساعدات شحيحة للداخل، يشير إلى احتمالية استخدام الجزء الأكبر من التبرعات لدعم جهات أخرى أو الاستيلاء عليها. كما أن وصفها للحكومة السورية بـ “حكومة الأمر الواقع” يعكس موقفاً سياسياً غير معترف بالشرعية.ويرتبط نشاط الرابطة وثيقاً بما يسمى “اتحاد العلويين السوريين في أوروبا” برئاسة المدعو “علي عبود”، الذي يدعو صراحة للانقلاب وتشويه صورة الرئيس أحمد الشرع. كما تركز المنظمة في منشوراتها على مصير العسكريين السابقين والمطالبة بإخراجهم من السجون، مما يؤكد صبغتها السياسية تحت غطاء “إنساني“.

النشأة والتحول: تتبع الهوية الرقمية للرابطة قبيل أحداث الساحل