تتبّع فريق "كشاف" صفحات وحسابات سورية وعراقية ولبنانية، إلى جانب حسابات تنشر محتوى باللغة الكردية، تشاركت رغم اختلاف توجهاتها وخلفياتها تكتيكاً واحداً في التضليل، يقوم على استغلال الأرشيف السوري وإعادة تدوير مشاهد قديمة وإرفاقها بسياقات مختلقة، لتبدو وكأنها توثق أحداثاً وصدامات حديثة في سوريا. ويرصد هذا التحقيق الجهات والحسابات التي أعادت تداول هذه المواد.
تعدد المنصات ووحدة الأسلوب
رصد فريق "كشاف" نشاطاً متزامناً لصفحات وحسابات سورية وعراقية ولبنانية، وامتد التتبع ليشمل حسابات تنشر محتوى باللغة الكردية وتتفاعل مع الشأن السوري. وعلى الرغم من تنوع توجهات هذه الحسابات، تشابهت طريقة تعاملها مع التطورات والأحداث السورية، إذ التقت عند إعادة نشر مواد قديمة بعناوين راهنة، وهو ما يجعل الأسلوب المشترك، لا هوية الجهة الناشرة، مدخلاً لفهم هذه الظاهرة.
أرشيف قديم بعناوين مستجدة

أُعيد نشر مشاهد سابقة على أنها توثق احتجاجات واشتباكات حديثة في سوريا، وتكررت إعادة تقديم المشاهد نفسها بعناوين مختلفة تربطها بأحداث راهنة. ورصد فريق "كشاف" النمط ذاته لدى حسابات "الحاج علي" و"تحت المجهر" و"أكس نيوز" و"مجد الأحمد"، التي تداولت مقاطع متقاربة أُرفق بعضها بعبارة "الشعب يريد إسقاط الجولاني"، في توظيف مباشر للمادة القديمة ضمن خطاب الاحتجاج الراهن.
حسابات مقربة من الهجري

شملت منشورات صفحات مقربة من الهجري مقاطع وصوراً قديمة إلى جانب مواد مرتبطة بالتطورات الجارية، وظهر هذا النشاط لدى صفحات "عمرو عزي" و"باشان لحظة بلحظة" و"السويداء ANS"، ومنها منشور لصفحة "باشان لحظة بلحظة" وصف مقطعاً بأنه يوثق إطلاق الرصاص على المتظاهرين في إدلب. وفي حالات أخرى، رافقت المحتوى أخبار وادعاءات مغلوطة، كما في منشورات صفحة "لحن البازلت".
انتقال الشائعات إلى اللغة الكردية
لم يقتصر التداول على الصفحات العربية، إذ امتد إلى حسابات تنشر محتوى باللغة الكردية وتتفاعل مع الشأن السوري، فقد تضمنت منشورات العديد من الصفحات وقائع سورية قديمة قُدّمت على أنها أحداث حديثة، وأُرفقت المشاهد في حالات أخرى بسياقات وادعاءات لا تتطابق مع أصلها. ومن بين هذه الصفحات "Afrin Kurdistan" و"لمة كوردية" و"روجافا نيوز" و"سرخبون روج آفا"، وهو ما يعكس انتقال الشائعات من الفضاء العربي إلى الفضاء الكردي على منصات التواصل.
صدى إقليمي في لبنان والعراق

لم تتوقف الرواية عند حدود الصفحات السورية، بل ظهرت في صفحات لبنانية قدّمت احتجاجات دمشق ضمن خطاب يطالب بإزالة أحمد الشرع من الحكم، وأعادت تقديم مشاهد احتجاجات المحروقات باعتبارها دليلاً على قمع المحتجين. كما قدّمت صفحات عراقية مشاهد سورية بعناوين توحي بوقوع اشتباكات واحتجاجات ضد الحكومة، ومنها قناة "بابل" الفضائية التي نشرت مقاطع بعناوين مثل "اشتباكات عنيفة بين قوات الجولاني والمتظاهرين بريف حلب" و"ثورة الجوع في سوريا"، لتصوّر الأحداث انتفاضة شعبية شاملة ضد الحكومة.
التشابه وحدود الاستنتاج
يطرح تشابه المحتوى وتوقيت نشره بين حسابات مختلفة تساؤلات حول طريقة انتشاره، لكن هذا التشابه وحده لا يثبت وجود شبكة منظمة أو جهة واحدة تديرها، كما أن تجاهله يحجب جانباً مهماً من كيفية انتشار الروايات بين الحسابات المختلفة. وفي المحصلة، لا يحتاج المحتوى المضلل إلى مشهد جديد، بل إلى سياق جديد يعيد تفسير مشهد قديم، وتكشف الحالات التي تتبعها فريق "كشاف" أن المشهد الواحد قد ينتقل بين جهات مختلفة مع تغيّر العنوان والرواية والجمهور، لذلك لا يتوقف التحقق عند أصل الصورة أو الفيديو، بل يتتبع مسارها ومن أعاد استخدامها ولماذا.