أصدرت وزارة الطاقة السورية قراراً برفع أسعار المشتقات النفطية بنسبة تصل إلى 40%، هذا الرفع لم يكن مجرد إجراء اقتصادي عابر، مع قدوم فصل الشتاء، وقد مثل شرارة فجّرت غضباً شعبياً واسعاً في مختلف المناطق السورية. فبين من يرى أن القرار لا مفر منه بسبب الأزمة العالمية للطاقة، ومن اعتبره ضربة قاضية للمواطن، وهنا يطرح السؤال: كيف نقرأ هذه الأزمة دون تهويل أو تهوين؟
أزمة المحروقات حقيقية وعالمية:

لا يمكن للحكومة السورية الحالية أن تتعامل مع مطالب الشعب على أنها ضجيج ممكن أن يهدأ مع مرور الوقت وامتصاص الصدمة. لكن بذات الوقت هناك أزمة حقيقية بينتها الأرقام الرسمية لا بد للعقلاء من قراءتها
بحسب بيانات وزارة الطاقة فإن معدل الاستهلاك والطلب اليومي في سوريا يبلغ حوالي 300 ألف برميل، بينما لا يتجاوز الإنتاج المحلي 100 ألف برميل.
تعتمد الحكومة الحالية لسد الفجوة على الاستيراد وهذا يعني أن أي ارتفاع في أسعار الطاقة العالمية أو تراجع في قيمة الليرة ينعكس فوراً على السعر المحلي.
وقد أوضحت الوزارة أن أزمة الطاقة العالمية لم تكن الوحيدة بل دخلت مصفاة بانياس في صيانة شاملة تستمر شهرين، ما أدى لتفاقم النقص في السوق المحلية.
غضب الناس مشروع:

قرار رفع أسعار المحروقات ترتد آثاره مباشرة على كل مناحي الحياة غلاء في أجور النقل، الغذاء، الدواء، الإيجار، الخدمات.
كما أن العائلات السورية تكافح أصلاً لتأمين قوتها اليومي، وأي زيادة تعني اختياراً قاسياً بين التدفئة والطعام على أعتاب فصل الشتاء.
إن من البيان لسحراً، نعم من حق الشعب أن يحتج ويطالب بشرح وبيان واضح، ومن حقه أن يرفض قرارات تشكل عبء فوق رأسه دون استعداد مسبق ولكن دون فوضى.
الفوضى ليست الحل الأمثل:

أكدنا ونؤكد على مشروعية الاحتجاج إلا أن مظاهر الفوضى والاعتداء على الممتلكات العامة والمطالبة بإسقاط الحكومة ليست حلاً، الاعتراض السلمي مقدر وهو الأنجع في هذه الظروف الصعبة.
البلاد مدمرة والمقدرات مسلوبة من العهد السابق:

سوريا خرجت للتو من حرب مدمرة، والبنى التحتية منهارة، ومؤسسات الدولة الحالية ناشئة وهشة. البلاد تحتاج سنوات من العمل للنهوض من تحت الركام الذي خلفته سنوات الحرب الطويلة. كل يوم فوضى يعني تأخيراً إضافياً في مسار التعافي.
تراجع الحكومة عن قراراتها في كل مرة تحت الضغط الشعبي لا يبني دولة قوية داخلياً وخارجياً. الحكم الرشيد لا يعني التراجع الفوري، بل يعني الشرح والإقناع وبناء الثقة.
مطالب الشعب محقة لكن الوسائل خاطئة يمكن المطالبة بتعديل القرار أو تعويض الفئات الأضعف دون المطالبة إسقاط الدولة أو إغراق البلد في فوضى جديدة.
التحديات الخارجية ليست وهماً

لا يمكن قراءة الأزمات الداخلية بمعزل عن السياق الإقليمي
لطالما أعلنت إسرائيل صراحة عن نواياها للتوسع في الأراضي السورية. صحيح أن الكيان الاسرائيلي لا يعول كثيراً على انشغال الحكومة بأزمات داخلية فلديه من القوة ما يكفي لتنفيذ أي غزو لسوريا الضعيفة حالياً. لكن الأزمات الداخلية عامل مساعد ولا يمكن إنكراه.
على صعيد آخر التهديدات الانفصالية في السويداء ما زالت مستمرة وأي ضعف في المركز يشجع ويقوي هذه النزعات.
وعلى الرغم من بدء خطوات الاندماج بين قسد والحكومة السورية ما زال خطاب الكراهية حاضراً، وأي فراغ أمني قد يعيد إشعال هذه التوترات من جديد.
الخلاصة سوريا الناشئة لا تحتمل فوضى جديدة يكفيها ما فيها حالياً.
ما الحل إذاً؟

بالتأكيد الحل لا يكمن في تصعير الخد للحكومة ولا في الانفجار والفوضى بل في مسار ثابت:
تشكيل لجنة وطنية من وجهاء المناطق وشخصيات اقتصادية مستقلة، تتولى نقل مطالب الناس إلى الرئاسة ومناقشة سبل المعالجة.
البيان من الحكومة أن توضح لماذا ارتفعت الأسعار، وما هو سقف الزيادة، وما هي الإجراءات التعويضية للفئات الأضعف لأن عدم التعويض يحول الأزمة الاقتصادية إلى أزمة إنسانية.
يقال في الأثر إن في البيان لسحراً من الضروري تدخل العقلاء وتوضيح الأمر للشعب بأن أزمة الطاقة عالمية وأن سوريا أكثر هشاشة من غيرها بسبب آثار الحرب التي خرجت منها للتو.
على الحكومة أن تتحمل مسؤولياتها وتعوض الفئات الضعيفة الأكثر تضرراً وعلى الشعب أن يصغي. إما نتحمل جميعاً مسؤولية إعادة البناء وإما فوضى تودي بنا إلى هاوية لا يعرف مداها إلا الله.
