قبل أن تكمل قراءة هذا المقال، اسأل نفسك: كم مرةً أدليتَ برأيك في الشأن السوري خلال الأسبوع الماضي؟ وكم مرةً شاركتَ خبراً دون أن تتحقق منه؟
فوضى من نوع جديد

بعد الثامن من ديسمبر 2024، لم تمر سوريا بتحول سياسي فحسب، بل رافقت هذا التحول ظاهرة لافتة على منصات التواصل، يمكن تسميتها بـ"المحلل الفوري". فجأة، وجد مواطنون لم يكونوا معتادين على الانخراط في الشأن العام أنفسهم في صدارة المشهد الرقمي، يحللون الدستور ويرسمون خطوط النفوذ.
وفي الأصل، ليس في هذا عيب، بل هو حقٌ مشروع لمجتمعٍ صودر صوته بقوة السلاح لعقود طويلة. ففي الثمانينات، حين حاول جزء من هذا الشعب أن يرفع صوته مطالباً بالحرية والكرامة، قوبل بحملة قمع دموية غير مسبوقة، طالت مدناً بأكملها، وتركت جراحاً لم تندمل حتى اليوم. وحين عاد الشعب ليكسر هذا الصمت في ثورة 2011، خرج مئات الآلاف يطالبون سلمياً بالحرية والكرامة والعدالة، فكان الرد اعتقالاً واسعاً، وتعذيباً ممنهجاً، وتهجيراً قسرياً طال ملايين السوريين، وقتلاً طال الآلاف من الأبرياء، في واحدة من أكثر المآسي الإنسانية دموية في العصر الحديث.
بعد كل هذه التضحيات، من حق هذا المجتمع اليوم أن يستعيد مجاله العام، وأن يتحدث بلا خوف.
لكن الأزمة الحقيقية تبدأ حين تسقط الفوارق بين الرأي والخبر، ويتحول الاستنتاج الشخصي إلى حقيقة قاطعة. والمؤسف أن بعض صناع المحتوى باتوا يقدّمون سيناريوهات كاملة تحت لافتة "مصادر موثوقة"، دون تقديم دليل واحد يتيح للمتابع العادي التحقق من صحة ما يقرأ.
والخطورة هنا لا تنبع غالباً من نية سيئة أو رغبة في التضليل الممنهج، بل تأتي من "فخ الحماس الزائد". فهذا الاندفاع العاطفي غير المحسوب قد يتحول، دون قصد، إلى مصدر لأخبار غيردقيقة، في وقتٍ نحن أحوج ما نكون فيه إلى الوضوح والاتزان.
الأرقام لا تكذب

يشكّل فيسبوك وإكس معاً نحو 87% من مصادر الادعاءات المضللة المتداولة في سوريا، وهما المنصتان اللتان يتصدرهما "المحللون الفوريون" بمنشوراتهم اليومية.
وفي تحقيق استقصائي واسع، حلّل فريق بي بي سي لتقصي الحقائق أكثر من 400 ألف منشور من أصل أكثر من مليوني منشور متعلق بالشأن السوري منذ سقوط نظام بشار الأسد، ونُشرت جميعها عبر منصة إكس. وأظهر التحقيق أن 60% من المنشورات الكاذبة أو المضللة التي استهدفت الحكومة السورية الجديدة مصدرها حسابات حُدِّد موقعها الجغرافي خارج سوريا، تحديداً في العراق واليمن ولبنان وإيران، إضافة إلى حملات أخرى مصدرها تركيا والسعودية
حجم الظاهرة بالأرقام
البيانات الموثقة من منصة #كشاف، منذ مطلع 2025، تكشف حجم المشكلة بدقة: من أصل 5581 مادة تم إحصاؤها على قاعدة بياناتها، صُنّفت 1931 مادة كـ"مضلل" و510 مواد كـ"غير صحيح"، أي أن نحو 44% من مجمل المواد التي خضعت للفحص تبيّن أنها كاذبة أو مغلوطة جزئياً — نسبة تقترب من نصف كل ما جرى تدقيقه.
بمعنى آخر: التضليل ليس استثناءً هامشياً في البيئة المعلوماتية، بل ظاهرة تلامس نصف المحتوى المتداول، في بيئة يتصدّرها الانطباع السريع على حساب التدقيق.
حين يُعيق التحليل العشوائي عمل التحقق
هنا يبرز دور التحقق الاستقصائي. حين تتراكم آلاف التحليلات والادعاءات يومياً، يغرق المتلقي في ضجيج معلوماتي يصعب معه التمييز بين الرأي والحقيقة، وبين التحليل والخبر الموثق. وهذا الضجيج بالذات هو البيئة المثالية التي يتكاثر فيها التضليل ويترعرع.
التحقق الاستقصائي لا يعني فقط تفنيد الأخبار الكاذبة الصريحة، بل يعني أيضاً تشريح الرواية الناقصة — تلك التي تحمل جزءاً من الحقيقة وتُغفل جزءاً آخر، وهي أخطر أشكال التضليل لأنها تبدو موثوقة.
في مشهد كالمشهد السوري الراهن، حيث تتشابك المصالح وتتعدد الروايات، لا يكفي أن نسأل: هل هذا صحيح؟ بل يجب أن نسأل: لمصلحة من انتشر؟ وماذا أُغفل؟
التحليل حق، والتضليل جريمة
سوريا اليوم في مرحلة تأسيسية لن تتكرر. ما يُبنى فيها من وعي جمعي، ومن ثقة بالمعلومة، سيُحدد شكل الفضاء العام لسنوات قادمة.
لهذا، فإن كل منشور يُقدَّم فيه الرأي على أنه حقيقة، وكل تحليل يُروَّج باعتباره خبراً موثقاً، ليس مجرد خطأ فردي — بل هو إسهام، ولو غير متعمد، في تعتيم المشهد وتشويهه.
التحليل حق مكفول لكل سوري. لكن الأمانة في التمييز بين ما تعرفه وما تظنه — تلك هي المسؤولية التي لا يعفيك منها عدد متابعيك.
