يستعرض هذا التحقيق ما توصلت إليه دراسات أكاديمية حول أسباب انتشار الشائعات على منصات التواصل الاجتماعي بوتيرة تفوق انتشار المعلومات الصحيحة. ويتناول أربعة عوامل رصدتها تلك الدراسات: عنصر الجدة والمفاجأة، ودرجة الانفعال العاطفي، وطريقة العرض البصري والصوتي، ولغة الهوية التي تقسم الجمهور بين من معه ومن ضده.
انتشار أوسع وأسرع من الحقيقة

تتبّع باحثون من جامعة MIT نحو 126 ألف قصة تداولها قرابة 3 ملايين شخص على تويتر أكثر من 4.5 ملايين مرة. ووجدوا أن الأخبار الكاذبة انتشرت أبعد وأسرع وأعمق وأوسع من الأخبار الصحيحة، وكانت أكثر احتمالاً لإعادة التغريد بنحو 70%. ونُشرت هذه النتائج في دورية Science عام 2018 ضمن دراسة تناولت انتشار الأخبار الصحيحة والكاذبة عبر الإنترنت.
الجدة والمفاجأة كعامل جذب
وجد الباحثون أن الأخبار الكاذبة كانت في المتوسط أكثر جدة من الأخبار الصحيحة، أي أنها تحمل معلومات أقل ألفة وأقل قابلية للفهم المباشر لدى القارئ. وهو ما ساعدها على جذب الانتباه ودفع المستخدمين إلى المشاركة. وبهذا لا يكون عنصر المفاجأة مجرد تفصيل عابر في الشائعة، بل قد يكون جزءاً من قوتها وقدرتها على الانتقال بين الحسابات.
الانفعال العاطفي ومشاركة المحتوى

أظهرت الدراسة نفسها أن الأخبار الكاذبة ارتبطت بردود تعبّر أكثر عن الخوف والاشمئزاز والمفاجأة. وتنسجم هذه النتيجة مع دراسة أخرى حللت المحتوى الأكثر مشاركة في صحيفة The New York Times، ووجدت أن المحتوى الذي يستثير المشاعر، مثل الغضب والقلق والدهشة، كان أكثر قابلية للمشاركة، بينما كان المحتوى المحزن أقل قابلية للانتشار. فالقاعدة ليست أن المحتوى السلبي ينتشر أكثر، بل أن ما يرفع مستوى الانفعال يدفع إلى المشاركة.
طريقة العرض وعناصر الإنتاج
لا تقتصر الشائعة على الجمل والصور، إذ يمكن لفيديو واحد أن يجمع عنواناً صادماً وصورة وصوتاً وموسيقى ومونتاجاً سريعاً وتعبيرات وجه. وفي دراسة حديثة حللت 936 فيديو قصيراً لتفنيد الشائعات على تيك توك، وجد الباحثون أن عناصر مثل شدة العنوان العاطفية والموسيقى الخلفية وسرعة الكلام وطريقة العرض ارتبطت بمستويات مختلفة من التفاعل، أي أن شكل تقديم المعلومة صار جزءاً من قدرتها على الانتشار.
لغة الهوية وأثرها في الانتشار
تزداد قوة الرسالة عندما لا تخبر بما حدث فقط، بل تحدد أيضاً من معنا ومن ضدنا. وحللت دراسة أكثر من 563 ألف تغريدة حول قضايا سياسية خلافية، فوجدت أن كل كلمة إضافية تجمع بين اللغة الأخلاقية والعاطفية ارتبطت بزيادة انتشار الرسالة بنحو 20%، وكان التأثير أقوى داخل المجموعات المتقاربة فكرياً. والفارق واضح بين عبارة صدر قرار جديد وعبارة قرار ظالم يستهدف أبناءنا.
وتشير هذه النتائج مجتمعة إلى أن انتشار الشائعة لا يستند إلى مضمونها وحده، بل إلى قدرتها على أن تكون جديدة فتلفت الانتباه، ومثيرة فتحرك المشاعر، ومرتبطة بالهوية فيشعر المتلقي أنها تعنيه، وقادرة على جذب التفاعل فتصل إلى جمهور أكبر. وهي عوامل تعمل جميعها قبل أن يطرح المستخدم على نفسه سؤال التحقق من المصدر.