لا ينبغي قراءة «اتفاق مكة» بوصفه مجرد اتفاق دفاعي ثلاثي بين السعودية وتركيا وباكستان، ولا اختزاله في سؤال: هل يستهدف إيران أم إسرائيل؟ فالقيمة الأهم لهذا التطور تكمن في أنه يعكس محاولة لإعادة تعريف الأمن الإقليمي على قاعدة مختلفة بأن تصبح دول المنطقة أكثر قدرة على إنتاج أمنها، وتنويع شراكاتها، وتوزيع أعباء الردع، بدل أن يبقى أمنها معتمدًا بصورة شبه حصرية على قوة خارجية واحدة.
النواة التي تشكلت بين السعودية وتركيا وباكستان تجمع عناصر قوة يصعب تجاهلها، باكستان تقدم وزنًا عسكريًا واستراتيجيًا وخبرة طويلة في إدارة التوازنات الأمنية، إلى جانب كونها الدولة الإسلامية الوحيدة ذات السلاح النووي، تركيا تضيف قاعدة صناعية دفاعية متقدمة، وقدرات تكنولوجية وعسكرية واسعة، وخبرة عملياتية وموقعًا جغرافيًا يربط الأناضول بالمشرق وأوروبا، أما السعودية فتقدم الثقل المالي والطاقوي والسياسي والديني وموقعًا مركزيًا في الخليج، وبذلك فإن المعادلة الأولية يمكن اختصارها في ردع استراتيجي باكستاني، وتكنولوجيا وصناعة تركية، وقدرة مالية وطاقوية سعودية.
لكن قيمة هذه العناصر لا تتحدد بمجرد اجتماعها، وإنما بقدرتها على التحول إلى منظومة مؤسساتية قابلة للعمل، فلا يزال من المبكر وصف الاتفاق بأنه «ناتو إسلامي» مكتمل، لأن ذلك يحتاج إلى بنية قيادة مشتركة، وآليات قرار ملزمة، وتكامل عملياتي، وتخطيط دفاعي طويل الأمد، وتوزيع واضح للأعباء والالتزامات، إلا أن الاتفاق يفتح الباب أمام مسار مختلف: بناء شبكة أمنية إقليمية تتسع تدريجيًا لتشمل مجالات الدفاع والتكنولوجيا والصناعات العسكرية والتدريب والتنسيق الاستخباراتي والقدرات السيبرانية.
ومن هذه الزاوية تحديدًا تصبح سوريا قضية استراتيجية وليست مجرد دولة محتملة للانضمام، فنواتها الحالية تمتد من جنوب آسيا إلى الخليج ثم الأناضول، لكنها تظل بحاجة إلى عمق عربي مشرقي يربط الخليج بتركيا وشرق المتوسط، وهنا لا تكمن أهمية سوريا في قوتها الحالية، بل في القوة الجيوسياسية الكامنة في موقعها إذا أعيد بناء الدولة السورية.
فالجغرافيا السورية تصل تركيا بالعراق والأردن وبلاد الشام وشرق المتوسط، وتضعها في قلب المجال الذي يمكن أن تتحرك عبره التجارة والطاقة والنقل بين الخليج والأناضول وأوروبا، وهذه ليست قيمة رمزية، فالدولة التي تتحكم في عقدة من عقد الاتصال الإقليمي تستطيع، إذا امتلكت مؤسسات فعالة واقتصادًا قادرًا على استثمار موقعه، أن تحول الجغرافيا من عبء إلى مصدر نفوذ.
وهنا تظهر إحدى الركائز الأساسية للدور السوري الجديد فالجغرافيا لا تصنع الدولة، وإنما الدولة القوية هي التي تحول الجغرافيا إلى قوة، فالموقع السوري موجود منذ آلاف السنين، لكن الموقع وحده لم يمنح سوريا خلال العقود الماضية نفوذًا يتناسب مع أهميته؛ لأن الموقع من دون مؤسسات، وأمن، واقتصاد، وبنية تحتية، وقانون، يتحول إلى ساحة تتصارع عليها القوى الأخرى، أما الموقع الذي تحميه دولة مستقرة، فإنه يتحول إلى شبكة من المصالح تجعل استقرار الدولة مصلحة للآخرين أيضًا.
وهذا ما يجعل مشاريع الربط بين تركيا وسوريا والأردن والسعودية ذات دلالة تتجاوز الجانب الاقتصادي، فإذا نجحت إعادة وصل شبكات النقل والسكك الحديدية، وتطورت ممرات التجارة والطاقة، وأصبحت الأراضي السورية جزءًا من طريق يربط الخليج بتركيا ثم أوروبا، فإن سوريا لن تكون مجرد دولة تقع في منتصف الطريق؛ ستصبح جزءًا من البنية التحتية التي تقوم عليها المصالح الدفاعية والاقتصادية للدول المشاركة.
وهنا ينتج الموقع السوري نوعًا مختلفًا من النفوذ، نفوذ الحاجة المتبادلة، فكلما أصبحت الطرق والموانئ والطاقة والاستثمارات والتجارة مرتبطة باستقرار سوريا، أصبح الحفاظ على أمنها واستقرارها مصلحة مشتركة لتركيا والسعودية والأردن ودول الخليج وشركاء اقتصاديين آخرين، وعندها تنتقل سوريا تدريجيًا من دولة يطلب منها الآخرون تأمين حدودها إلى دولة يصبح استقرارها جزءًا من أمن المنطقة واقتصادها.
لكن القيمة السورية لا تتوقف عند الاقتصاد، فالانضمام المحتمل إلى منظومة بهذا الحجم يمكن أن يمنح الدولة السورية فرصة لإعادة بناء قدراتها العسكرية والأمنية ضمن إطار مختلف عن نماذج العقود السابقة، سوريا الخارجة من حرب طويلة تحتاج إلى بناء مؤسسة عسكرية وطنية حديثة، وإعادة تأهيل منظومات حماية الحدود، وتطوير الاستطلاع والمراقبة والدفاع الجوي، وتعزيز الأمن السيبراني والاستخبارات ومكافحة التهريب والجريمة المنظمة، وإعادة بناء الصناعات الدفاعية على أسس مؤسساتية.
وفي هذا المجال تستطيع تركيا تقديم خبرة صناعية وتكنولوجية وعسكرية واسعة، ويمكن للسعودية أن توفر جزءًا مهمًا من التمويل والاستثمار، بينما تستطيع باكستان إضافة خبرة عسكرية وتدريبية متراكمة، وإذا تحولت هذه العلاقات إلى برامج مؤسساتية، فإن المكسب السوري لن يكون مجرد الحصول على أسلحة أو تدريب، وإنما بناء قدرة وطنية مستقلة على إنتاج الأمن.
وهنا يجب أن يكون المبدأ السوري واضحًا، سوريا لا ينبغي أن تنضم إلى أي منظومة بحثًا عن دولة تحميها، وإنما لكي تصبح دولة قادرة على حماية نفسها وشريكًا في حماية التوازن الإقليمي، وجعل استقرارها مرتبط بمصالح الجميع، فالفرق بين الدولتين كبير، الدولة التي تدخل تحالفًا وهي ضعيفة ومؤسساتها هشة واقتصادها تابع قد تستبدل تبعية بتبعية أخرى، أما الدولة التي تدخل وهي تبني مؤسساتها وتنوع علاقاتها وتملك رؤية واضحة لمصالحها، فتستخدم التحالف لتوسيع استقلالها الاستراتيجي.
ومن هنا فإن سوريا الجديدة لا ينبغي أن تكون «دولة محاور»، بل دولة توازن، لا ينبغي أن يكون موقعها في النظام الإقليمي قائمًا على معادلة «مع تركيا ضد إيران» أو «مع السعودية ضد دولة أخرى» أو «مع الشرق ضد الغرب»، مصلحة سوريا أن تتعامل مع الجميع بوصفهم شركاء محتملين، وأن تحتفظ لنفسها بحق تحديد علاقاتها وفق مصالحها الوطنية.
هذا لا يعني الحياد السلبي، ولا يعني الانعزال، بل يعني امتلاك شبكة علاقات واسعة تمنع احتكار أي قوة لقرار دمشق، فكلما تعددت الشراكات الاقتصادية والأمنية والسياسية، اتسع هامش القرار السوري، وأصبح من الصعب على طرف واحد فرض خياراته على الدولة السورية.
وفي هذا السياق، فإن انضمام سوريا إلى «اتفاق مكة» سيحمل مكسبًا آخر بالغ الأهمية، إعادة إدخال المشرق العربي في معادلة الأمن الإقليمي الجديدة، فالسعودية تمثل الخليج، وتركيا تمثل الأناضول، وباكستان تمثل جنوب آسيا، بينما تستطيع سوريا أن تمثل العمق المشرقي والاتصال البري بين هذه المجالات.
وإذا أضيفت مصر في مرحلة لاحقة، فإن الصورة تصبح أكثر اتساعًا، فمصر لا تؤدي الوظيفة الجيوسياسية نفسها التي تؤديها سوريا، فهي تضيف كتلة بشرية وعسكرية وسياسية عربية كبيرة، وتسيطر على قناة السويس، وتربط البحر المتوسط بالبحر الأحمر كما تمتد على أفريقيا، وتمتلك وزنًا تاريخيًا في النظام العربي، أما سوريا فتضيف المجال الشامي والاتصال البري بتركيا والعراق والأردن وشرق المتوسط.
وعند اجتماع، هذه الوظائف لا تكون الإضافة مجرد زيادة في عدد الدول، وإنما تكاملًا في عناصر القوة باكستان تضيف الردع الاستراتيجي والخبرة العسكرية، تركيا تضيف الصناعة والتكنولوجيا والقدرة العملياتية، السعودية تضيف المال والطاقة والثقل الخليجي، مصر تضيف العمق العربي والبحر الأحمر وقناة السويس والوزن البشري والعسكري، وسوريا تضيف العمق المشرقي والاتصال البري وشرق المتوسط.
وهنا تظهر أهمية التخلي عن التعبير المبسط عن «الخزان البشري». فالقوة الحديثة لا تقاس بالأعداد وحدها، وإنما بالقدرة على تحويل السكان إلى تعليم وإنتاج وجيش ومؤسسات وسوق واستهلاك وابتكار، وكذلك لا ينبغي النظر إلى سوريا باعتبارها مجرد موقع جغرافي؛ القيمة الحقيقية هي قدرتها على تحويل هذا الموقع إلى موانئ وممرات وطرق وسكك ومناطق صناعية وشبكات طاقة واتصالات.
وهذا يقود إلى البعد الأعمق في المسألة، اتفاق مكة يمكن أن يكون بالنسبة إلى سوريا جزءًا من مشروع إعادة بناء الدولة، وليس مجرد مشروع دفاعي، فإذا أصبحت البنية الأمنية حامية للبنية الاقتصادية، وأصبحت التجارة والطاقة والنقل مولدة لمصالح مشتركة، وأصبحت المعرفة والتكنولوجيا قاعدة للصناعة، يمكن أن تبدأ عناصر القوة الوطنية في العمل معًا.
أما البعد الأكثر حساسية في المسألة فيتعلق بإسرائيل، فإذا انضمت سوريا إلى المنظومة، فإن الاتفاق سيواجه اختبارًا لم تواجهه النواة الحالية بالحدة نفسها؛ لأن سوريا ليست دولة بعيدة عن الصراع، بل دولة تقع على تماس مباشر مع إسرائيل، وتشهد حدودها وأجواؤها تحركات وتوغلات وضغوطًا عسكرية متكررة، وهذا يعني أن دخول دمشق لن يكون إضافة جغرافية فقط، بل قد يضع مصداقية الالتزام الدفاعي للاتفاق أمام اختبار مباشر.
وهنا تكمن المفارقة الاستراتيجية، فسوريا قد تكون من أكثر الدول استفادة من الردع الذي يوفره التحالف، لكنها في الوقت نفسه قد تكون الدولة التي تختبر قدرة التحالف على تحويل الردع من خطاب إلى التزام، فإذا تعرضت سوريا لاعتداء، ماذا يعني عمليًا أن الاعتداء على دولة عضو هو اعتداء على الجميع؟ ما آلية التشاور؟ ما حدود الرد؟ هل يشمل الرد دعمًا استخباراتيًا وتسليحيًا؟ هل يشمل الدفاع الجوي؟ هل توجد آلية عمليات مشتركة؟ وهل تستطيع الدول الأعضاء تحمل كلفة الدخول في مواجهة مرتبطة مباشرة بالأمن السوري؟
هذه الأسئلة هي جوهر مصداقية الاتفاق نفسه، ولهذا فإن سوريا قد تكون إضافة استراتيجية للتحالف ومصدر اختبار له في الوقت نفسه، دخولها يجعل المنظومة أكثر اتصالًا بجغرافيا المشرق، وأكثر قدرة على التأثير في التوازن مع إسرائيل، لكنه يجعل الالتزامات الدفاعية أكثر واقعية وأقل قابلية للبقاء في المنطقة الرمادية للبيانات السياسية.
ولا يعني ذلك أن «اتفاق مكة» يجب أن يتحول إلى حلف معلن ضد إسرائيل، فالخطاب الرسمي للدول المؤسسة لم يحدد دولة بعينها بوصفها عدوًا مشتركًا، كما أن تركيا شددت على أن الاتفاق ليس موجهًا ضد إيران أو أي دولة ما لم تعتدِ على إحدى الدول الأعضاء، لكن عدم تسمية عدو لا يعني غياب النتائج الاستراتيجية، فبناء قدرة إقليمية على الردع يعيد تشكيل حسابات جميع الأطراف، سواء كانت إسرائيل أو إيران أو الولايات المتحدة أو غيرها.
والأمر نفسه ينطبق على إيران، اختزال الاتفاق في أنه تحالف ضد طهران قراءة أضيق من أن تفسر المشهد، المنطقة تتجه إلى إعادة توزيع القوة أكثر من اتجاهها إلى بناء جبهة واحدة ضد دولة واحدة، وقد تكون إيران نفسها أمام واقع جديد يفرض عليها إعادة تقييم علاقاتها مع محيطها، خصوصًا إذا أصبحت دول المنطقة أكثر قدرة على حماية مصالحها بصورة جماعية.
كذلك لا يصح اختزال المشروع في مواجهة الولايات المتحدة، الأكثر دقة هو النظر إليه باعتباره محاولة لتقليل الاعتماد الأحادي على الضمانة الأمريكية، فالدول الإقليمية تستطيع الحفاظ على علاقاتها بواشنطن وفي الوقت نفسه بناء قدرات دفاعية وشراكات أخرى، الاستقلال الاستراتيجي لا يعني القطيعة مع الولايات المتحدة، كما لا يعني التحول إلى معسكر مضاد لها؛ بل يعني ألا يكون قرار أمن الدولة مرهونًا بالكامل بقرار قوة خارجية.
وهذه النقطة مهمة جدًا في الحالة السورية، فإذا أصبحت دمشق عضوًا في المنظومة، فلا ينبغي أن تستخدم العضوية لإغلاق أبوابها أمام الولايات المتحدة أو أوروبا أو الصين أو غيرها، بالعكس، ينبغي أن تستفيد من تعدد العلاقات لبناء اقتصاد متنوع وقدرات عسكرية وتكنولوجية متعددة المصادر، والاستقلال لا يعني أن تكون سوريا بلا حلفاء؛ بل ألا يكون لها حليف واحد يستطيع التحكم بمصيرها.
لكن كل هذه المكاسب لن تتحقق إذا دخلت سوريا الاتفاق قبل أن تعيد بناء بيتها الداخلي، فالعضوية في منظومة دفاعية متقدمة تحتاج إلى دولة قادرة على تنفيذ التزاماتها، تحتاج إلى جيش وطني موحد، وسلسلة قيادة واضحة، وأجهزة أمن واستخبارات مهنية، وحدود مضبوطة، ومؤسسات سياسية مستقرة، واقتصاد قادر على استيعاب الاستثمارات، وقانون يحمي المستثمر والمواطن، وإدارة قادرة على تنفيذ المشاريع الكبرى.
ولهذا فإن إعادة الإعمار السورية لا ينبغي أن تختزل في بناء الأبنية، إعادة الإعمار الحقيقية هي إعادة بناء الدولة نفسها: الجيش، والاقتصاد، والقانون، والجامعات، والموانئ، والسكك، والطاقة، والاتصالات، والإدارة، والمصالحة الوطنية لا ينبغي أن تعني محو الماضي، وإنما بناء عقد وطني جديد يجعل الدولة ملكًا للمجتمع، ويجعل القانون فوق الجميع.
إذا تحقق ذلك، تتغير معادلة سوريا جذريًا، فبدل أن تكون سوريا ساحة تتنافس عليها القوى، تصبح دولة تتنافس القوى على الشراكة معها، وبدل أن يكون موقعها سببًا دائمًا في تعرضها للتدخلات، يصبح سببًا في ارتفاع كلفة عدم استقرارها على الآخرين، وبدل أن يكون الاقتصاد عبئًا على السياسة الخارجية، يصبح أداة من أدواتها، وهنا تحديدًا يتبلور الدور السوري الجديد، فسوريا لا تحتاج إلى أن تصبح أقوى دولة في الشرق الأوسط حتى تصبح دولة مؤثرة فيه، يكفي أن تصبح دولة يصعب على التوازن الإقليمي أن يعمل بكفاءة من دونها، وهذا لا يتحقق بالشعارات.
ومن هذه الزاوية، فإن «اتفاق مكة» ليس مجرد فرصة لسوريا كي تحصل على حماية إضافية، بل فرصة لاختبار ما إذا كانت سوريا قادرة على الانتقال من موقع موضوع في النظام الإقليمي إلى فاعل في تشكيله، قد تحتاج المنظومة إلى سوريا لأنها تمنحها ما ينقصها من عمق مشرقي واتصال بري وشرق متوسطي، وقد تحتاج سوريا إلى المنظومة لأنها تمنحها فرصًا لإعادة بناء قدراتها الأمنية والاقتصادية والتكنولوجية ضمن شبكة إقليمية أوسع، لكن العلاقة لن تكون ناجحة إلا إذا كان الطرفان يضيف أحدهما إلى الآخر شيئًا حقيقيًا.
وهنا تكمن المسألة الأساسية، فسوريا لا ينبغي أن تطلب الدخول إلى «اتفاق مكة» لأنها ضعيفة، ولا ينبغي أن يُنظر إليها باعتبارها دولة تحتاج إلى الحماية فقط، القيمة الاستراتيجية الحقيقية لسوريا تبدأ عندما تدرك أن الموقع الذي جعلها تاريخيًا ساحة للصراع يمكن، بعد بناء الدولة، أن يجعلها واحدة من ركائز التوازن، وعندها فقط يمكن أن يصبح «اتفاق مكة» جزءًا من الشرق الأوسط الجديد لا مجرد اتفاق دفاعي آخر يضاف إلى أرشيف المنطقة، شرق أوسط لا تقوم فيه القوة على دولة مهيمنة واحدة، ولا على مظلة خارجية واحدة، ولا على محور مغلق، وإنما على شبكة من الدول التي تتقاطع مصالحها في الأمن والتجارة والطاقة والتكنولوجيا والنقل.
وفي هذا الشرق الأوسط، لا تكون سوريا دولة تبحث عمن يحميها، بل دولة تجعل حماية استقرارها مصلحة للآخرين؛ ولا تكون مجرد مستفيدة من التوازنات، بل شريكًا في صناعتها، وهنا تبدأ، في تقديري، فكرة الدور السوري الجديد، الذي يجب أن يصنعه صانع القرار، بأن تستعيد سوريا الدولة أولًا، لكي تستعيد بعدها موقعها، ثم تحول موقعها إلى قوة، وتحول قوتها إلى نفوذ، وتحول نفوذها إلى توازن يخدم مصالحها ومصالح محيطها.
