شخوص

من النفوذ المالي إلى القضبان.. المسار السري للمسؤول طلال حلاق

من النفوذ المالي إلى القضبان.. المسار السري للمسؤول طلال حلاق

موجة غضب وقرار مفاجئ

أثار قرار تعيين طلال حلاق في منصب مدير العلاقات الدولية والاتصال في الشركة السورية للبترول موجة غضب عارمة في الأوساط السورية. وتداول مطلعون وثائق ومعلومات تفصيلية تربط حلاق بشبكات مالية وأمنية تتبع النظام السابق. وكان حلاق قد ظهر في تصريحات إعلامية عبر القناة السورية يتحدث بثقة عن تنسيق حلول وسيناريوهات تقنية مع وزير الطاقة وحاكم مصرف سوريا المركزي عقب عودته من الإجازة. عكس هذا الظهور نفوذاً إدارياً واسعاً لم يدم طويلاً، إذ انهار هذا النفوذ سريعاً بعد تزايد الضغوط وتوالي الأدلة الدامغة.

واجهات مالية وعقارات مصادرة

تظهر التقارير المتقاطعة علاقات وثيقة جمعت طلال حلاق بشخصيات نافذة في النظام السابق، تصدرتها أسماء الأسد. وتشير البيانات الرسمية إلى ارتباط اسم حلاق بشركة “ألفا إنكوربوريتد” (Alpha Incorporated L.L.C)، وهي شركة محدودة المسؤولية تأسست بتاريخ 16 كانون الثاني/يناير 2020 في منطقة حرستا بريف دمشق برأسمال بلغ 5,500,000 ليرة سورية، مما أثار تساؤلات جدية عن شبكات مالية تعمل لصالح القصر الجمهوري. ولم يتوقف نفوذ حلاق عند الشركات التجارية، بل امتد ليشمل الاستحواذ على أصول عقارية بارزة، حيث تؤكد المعلومات منحه مطعماً في منطقة الروضة بدمشق صودر في وقت سابق من صهر نائب رئيس الجمهورية الأسبق عبد الحليم خدام.

العمل الأمني السري وكتابة التقارير

تتجاوز التهم الموجهة ضد طلال حلاق الجانب المالي لتصل إلى العمل الأمني السري لصالح الأجهزة الاستخباراتية. وتوضح وثيقة أمنية مسربة من فرع الأمن السياسي بدمشق، تحمل الرقم 450/ص.م ومؤرخة في 20 كانون الأول/ديسمبر 2023، أن حلاق عمل مصدراً أمنياً ومندوباً يرفع تقارير دورية منذ عام 2019. وتذكر الوثيقة الموجهة إلى رئيس شعبة الأمن السياسي أن حلاق، الذي قدم نفسه خبيراً اقتصادياً ومحكماً، رفع تقارير بحق ناشطين في المجتمع المدني كمدير مؤسسة تنموية محمد المصري، ومديرة منظمة “عدل وتمكين” في تركيا هبة الحجي، متسماً إياهم بالارتباط بجهات خارجية وتشويه صورته.

يتطابق هذا الدليل الوثائقي مع شهادة حية أدلت بها معتقلة سابقة نجت من حكم الإعدام. وأوضحت الناجية أنها اعتقلت في فرع الأمن السياسي في شهر حزيران/يونيو 2024 ضمن ملف “قيصر 2″، وكان مقرراً إعدامها في 28 كانون الأول/ديسمبر 2024 قبل أن تخرج يوم التحرير. وأكدت المعتقلة السابقة أن المحققين واجهوها بشكل مباشر بمضمون تقارير أمنية مكتوبة رفعت لصالح إدارة المخابرات العامة، لتدرك لاحقاً أن طلال حلاق هو من كتب تلك التقارير وتسبب في اعتقالها.

احتجاجات داخلية واستقالات مدوية

فجّر تعيين حلاق صراعاً داخلياً علنياً في المؤسسات النفطية. وأعلن الإعلامي فيصل عدنان الإمام، مدير المكتب الإعلامي في الشركة السورية للبترول، استقالته رسمياً بتاريخ 9 نيسان/أبريل 2026 احتجاجاً على تعيين أشخاص من فلول النظام السابق، واصفاً حلاق في المحادثات الداخلية بأنه “مدير مجرم”. ردت إدارة الشركة بشكل حازم عبر منع الإمام من دخول مبانيها نهائياً وإصدار كتاب رسمي بإنهاء خدماته بناءً على ما ادعت أنها تنبيهات شفوية متكررة. ونفى الإمام رواية الشركة تماماً، مؤكداً أن الإجراء محاولة لتصفية الحسابات وتشويه سمعته المهنية بعد تسريب محادثة يهدده فيها حلاق بطلب الاستقالة القسرية.

السقوط والقبض على المتهم

دفعت هذه الحقائق المتراكمة بالسلطات التنفيذية إلى التحرك. وأعلن وزير الطاقة محمد البشير بتاريخ 7 نيسان/أبريل 2026 عن صدور قرار رسمي يقضي بكف يد طلال حلاق عن العمل مؤقتاً في الشركة السورية للبترول ريثما ينتهي التحقيق الكامل. وشدد الوزير في تصريح علني على أنه لن يكون هناك أي مكان داخل مؤسسات الدولة لشخصيات تحوم حولها شبهات تمس دماء السوريين أو كرامتهم. وتطور الموقف سريعاً ليتدخل الأمن الداخلي ويلقي القبض على حلاق رسمياً لتعامله مع النظام البائد وتورطه في كتابة التقارير الأمنية بحق المواطنين، ليتحول حلاق من موقع النفوذ الإداري والمالي ليقبع اليوم خلف قضبان السجن. تضع هذه القضية الشارع السوري أمام تساؤل جوهري: هل يكفي توقيف طلال حلاق أم يتوجب فتح تحقيقات موسعة تشمل كافة التعيينات الإدارية الأخيرة؟