رصد تحقيق صحفي أجرته منصة “كشاف” ظهور شبكة حسابات رقمية توظف الهوية السورية بصورة مكثفة لإعادة توجيه النقاش العام وتشكيل المواقف تجاه قضايا عاطفية شائكة، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية والمسجد الأقصى. ويُظهر التحليل الفني والخطابي لهذه الحسابات استخدامها لخطاب متشابه، ونمط تفاعل موحد، ينطلق في توقيت زمني واحد، مما يرجح أنها تدار عبر شبكة عمل منهجية منسقة وليست مجرد أصوات فردية عفوية.
الهوية الرقمية والطابع البصري الموحد

شهدت منصات التواصل الاجتماعي في الفترة الأخيرة تصاعداً لافتاً في نشاط حسابات تستخدم الهوية الرقمية السورية كأداة توجيه داخل النقاشات المتعلقة بفلسطين والأقصى. وتعتمد هذه الحسابات، على التحدث باللكنة السورية واستخدم صور ورموز ترتبط بالداخل السوري. وتقدم الحسابات محتواها في قالب يسعى إلى إظهارها كأصوات نابعة من الشارع السوري، مستخدمةً شعارات موحدة تتركز حول فكرة الانكفاء المحلي.
تطابق الخطاب وتوحيد الرسائل الرقمية

تبين مراجعة الرسائل المتدفقة من هذه الحسابات المختلفة عن تبني نبرة هجومية موحدة ومستنسخة بشكل واضح، تهدف إلى التشكيك في الرموز والمقدسات وتشويه المكونات الاجتماعية. وتتضمن السرديات التي تنشرها هذه الشبكة ادعاءات تصف المسجد الأقصى بأنه “كذبة لتدمير الدول العربية”، إلى جانب اتهام اللاجئين الفلسطينيين في سوريا بالعمالة للأجهزة الأمنية للنظام البائد والدعوة إلى مراقبتهم والحذر منهم. وتطالب هذه الحسابات علناً بترحيل من تصفهم بـ “شتات اللاجئين الفلسطينيين المتأيرنين” معتبرةً هذا الإجراء واجباً وطنياً.
توظيف الألم السوري للتحريض واستهداف الآخر
تستغل الشبكة الرقمية المرصودة قضايا المعاناة الإنسانية والألم السوري لتمرير أجندات التحريض، حيث تعمد إلى نشر روايات ترمي إلى خلق شعور بالخذلان والعداء المتبادل تجاه شعوب وقضايا أخرى في المنطقة. ومن أبرز الأمثلة الموثقة في هذا السياق، نشر ادعاءات تزعم أنه في يوم تحرير العاصمة دمشق، وبينما كان السوريون يبحثون عن أبنائهم المغيبين في معتقل صيدنايا، كان الفلسطينيون يقومون بـ “تعفيش” ونهب مستودعات الجمارك في منطقة المزة. وتعمل هذه السرديات الموجهة على تحويل المأساة الإنسانية من سياقها الطبيعي إلى أداة تهدف لإعادة تشكيل مفهوم العدو في ذهن المتلقي.
التنسيق الشبكي والعمل المنهجي
تثبت المؤشرات التحليلية أن هذه الحسابات لا تتحرك بشكل منفرد أو عشوائي، بل تسير وفق خطة عمل منهجية تتبع نمط تفاعل منسق. ويتضح هذا التنسيق في نشر الفكرة ذاتها وتوزيعها على عدة حسابات في وقت زمني واحد، متجاوزةً فكرة المصادفة العفوية. وعلاوةً على ذلك، تشترك هذه المعرفات في اعتماد شعار بصري وبنية رمزية واحدة تتلخص في وسم وشعار “سوريا أولاً”، مما يؤكد وجود إدارة مركزية أو شبكة موحدة تشرف على بناء هذا التوجه الرقمي وبثه.
النطاق الجغرافي ومواقع الإدارة
رغم المحاولات المستمرة لهذه الحسابات لتقديم نفسها كأصوات محلية تتحدث من قلب المعاناة والشارع السوري، إلا أن تحليل النشاط الرقمي الظاهر وبيانات التفاعل يشير إلى معطيات مغايرة تماماً. وتؤكد نتائج الفحص الفني أن إدارة هذه الحسابات وتواجدها الفعلّي ينطلقان من مواقع جغرافية مختلفة خارج الحدود السورية، وتتركز النسبة الكبرى من عمليات التشغيل والإدارة من داخل دول أوروبية، مما يظهر فجوة واضحة بين الهوية المدعاة والواقع الجغرافي للشبكة الموجهة.