
إمامة ليث البلعوس في حلب وموجة التحريض الرقمي
شهد الجامع الأموي في مدينة حلب يوم 14 نيسان/أبريل 2026 مشهداً تحول سريعاً من سياق ديني عابر إلى مادة للاستقطاب والتحريض الطائفي على منصات التواصل الاجتماعي. بدأ الحدث بظهور ليث البلعوس، المنتمي لطائفة الموحدين الدروز، وهو يؤم مجموعة من المصلين في المسجد، بينما نشر حساب يحمل اسمه رسائل تدعو لنبذ الطائفية ونبذ خطاب الكراهية والتمسك بقيم الوحدة الوطنية. ورغم الطابع التصالحي لهذه الرسائل، إلا أن التحقيق الرقمي كشف عن آليات منظمة ساهمت في تضخيم الحدث وتوجيهه نحو مسارات تصادمية.
تحليل المحتوى والخطاب المضاد
رصد فريق كشاف موجة من التحريض المضاد استهدفت صورة البلعوس، حيث أُرفقت بخطاب كراهية موجه لطوائف السنة والموحدين الدروز بشكل منفصل. تضمن هذا الخطاب لغة إقصائية هجومية، برزت في تدوينات تصف المكونات الاجتماعية بعبارات مهينة، بينما جرى الربط بين إمامة البلعوس ومواقف سياسية أخرى لتعميق حالة الانقسام. اعتمد هذا الخطاب على توجيه اتهامات غير موثقة وإعادة تدوير رسائل مكررة بانتظام لإعطاء انطباع بوجود رفض شعبي واسع، لكن التدقيق في المحتوى أظهر افتقار هذه الادعاءات لأي سند موضوعي يتجاوز الرغبة في إثارة الفتنة.

التحليل الشبكي لانتشار الحملة
أشار التحليل الشبكي لانتشار هذه الموجة إلى أن الهجوم لم يكن عفوياً، بل انطلق من عدد محدود من الحسابات الرقمية. توسعت هذه الدوائر لاحقاً من خلال حسابات متقاربة في التوجه، واعتمدت استراتيجية النشر على تكرار المحتوى ذاته داخل بيئات رقمية متجانسة لضمان وصول الرسالة التحريضية لجمهور محدد. بناء عليه، انتقلت الرواية من مجرد صلاة في مسجد إلى مادة استقطاب كبرى، ساهمت فيها لقطات فيديو وُظفت لخدمة سياق التوتر، ومنها مقاطع تدعو للعودة إلى الأصول وبناء الجوامع والالتزام بالفرائض الخمس، مما أخرج الحدث عن إطاره المحلي في حلب.
ديناميكيات التصعيد وإعادة التأطير
استندت عملية التصعيد الإعلامي على محاور رئيسة، أولها الاعتماد على المكانة الدينية والرمزية للجامع الأموي لإضفاء طابع حساس على الحدث. تلا ذلك عملية إعادة تأطير تهدف لتعزيز التوتر وربطه بملفات أخرى مثل أحداث السويداء، مع التركيز على الهجوم الشخصي وإبراز الخلفية الاجتماعية للبلعوس لاستهدافه. أدت هذه الديناميكيات إلى تضخيم الواقعة بعيداً عن حقيقتها الميدانية، لتصبح أداة في صراع الهويات عبر الفضاء الرقمي بدلاً من كونها مبادرة تهدف للوحدة كما طرحتها الرسائل الأولى.



